الإثنين، 3 أغسطس 2026
بيروت
33°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الشرق الأوسط بين التهدئة الحذرة وإعادة رسم قواعد الاشتباك

لم يكن الحدث الأبرز في الساعات الأخيرة صاروخاً أُطلق، بل صاروخاً لم يُطلق. ففي لحظة كانت المنطقة تترقب فيها ضربة أمريكية ضد إيران، جاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتراجع عن تنفيذها، فاتحاً الباب أمام سؤال أكبر من الحرب نفسها: هل بدأ الشرق الأوسط يدخل مرحلة التسويات، أم أن الجميع يلتقط أنفاسه قبل مواجهة أكثر خطورة؟
القرار الأمريكي لا يعني أن شبح الحرب قد تراجع نهائياً، بل إن واشنطن اختارت، في هذه المرحلة، استبدال القوة العسكرية بالقوة السياسية. فترامب، المعروف برفع سقف التهديد ثم استخدامه كورقة تفاوض، لم يسحب الخيار العسكري من الطاولة، وإنما جمّده مؤقتاً بانتظار ما قد تسفر عنه الاتصالات السياسية.
وفي المقابل، لن تفوّت طهران فرصة استثمار هذا التطور. فهي ستعتبر أن تراجع واشنطن دليل على نجاح سياسة الردع، وأن كلفة المواجهة المباشرة دفعت الإدارة الأمريكية إلى إعادة حساباتها. وبين الروايتين، تحاول كل من الولايات المتحدة وإيران إقناع العالم بأنها خرجت أكثر قوة، بينما الحقيقة أن الطرفين يدركان أن أي حرب مفتوحة قد تتجاوز قدرتهما على التحكم بمسارها ونتائجها.
أما لبنان، فلا يقف خارج هذا المشهد. فالملفات الداخلية، وفي مقدمتها قضية حصر السلاح بيد الدولة، أصبحت جزءاً من التوازنات الإقليمية الجديدة. وكل تقدم في مسار التفاهمات بين القوى الكبرى سينعكس حكماً على الداخل اللبناني، سواء عبر ضغوط سياسية أو تسويات جديدة قد تعيد رسم المشهد الداخلي.
وفي الجانب الإسرائيلي، يسود حذر واضح. فتجميد الضربة الأمريكية لا يُفسَّر على أنه انتهاء للخطر الإيراني، بل مجرد تغيير في أسلوب التعامل معه. لذلك تواصل إسرائيل رفع مستوى جهوزيتها العسكرية، بالتوازي مع متابعة دقيقة لكل ما يدور خلف أبواب المفاوضات المغلقة.
ورغم كثرة التصريحات النارية، فإن ما يُحسم اليوم لا يُقال أمام الكاميرات. فالمفاوضات الحقيقية تجري بصمت، بينما تُستخدم الرسائل العسكرية لتحسين شروط التفاوض، لا لإشعال حرب شاملة. ولهذا، فإن الهدوء الذي تعيشه المنطقة لا ينبغي أن يُفهم على أنه استقرار دائم، بل هو هدوء يحمل في داخله احتمالات التصعيد كما يحمل فرص التسوية.
لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة؛ مرحلة لا تُقاس فيها القوة بعدد الطائرات التي تقلع أو الصواريخ التي تُطلق، بل بقدرة كل طرف على فرض شروطه من دون أن يضطر إلى خوض الحرب. ومن هنا، قد يكون أخطر ما تشهده المنطقة اليوم ليس ما يحدث أمام الجميع، بل ما يُطبخ بصمت في الكواليس، حيث تُعاد صياغة موازين القوى ورسم قواعد الاشتباك التي قد تحكم الشرق الأوسط لسنوات قادمة…

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

مؤرخ اسرائيلي يقول ارتكبنا خطأ فادحاً بعدم إدراك أهمية الطائفة الشيعية في لبنان

لم يكن يوجد في إسرائيل خلال الخمسينات من القرن الماضي إدراك لأهمية الطائفة الشيعية كعامل ينطوي على قوة سياسية كامنة  وأهمية تنمية علاقات حسن الجوار مع الشيعة في جنوب لبنان ، ويرجع...

روما 2… الهدوء الذي قد يرسم ملامح لبنان الجديد

في وقت تبدو فيها المنطقة معلّقة بين إمكانية الانفجار وفرصة التهدئة، لا تبدو أخبار الجنوب اللبناني مجرد تفاصيل ميدانية عابرة، بل إشارات إلى مرحلة قد تحدد شكل لبنان في السنوات...

عباسًا آخر على الفلسطينيين

سلطت قناة France 24 الفرنسية الضوء على تنامي الدور السياسي لياسر عباس، نجل رئيس سلطة رام الله محمود عباس، معتبرة أن صعوده داخل هياكل حركة فتح يعزز الجدل بشأن مستقبل قيادة السلطة...

يا طالب الدبس....

هناك من لا زال يعوّل على الضمانات الأميركية لجعل إسرائيل تحترم اتفاق وقف إطلاق النار وتوقف اعتداءاتها على لبنان وتنسحب من المناطق التي تحتلها في الجنوب. بالتأكيد، لا يملك هؤلاء...

أطماع الأجنبي والاستقواءبه

صراعات و حروب وفتن واضطرابات وثورات. ” النصر عمل والعمل حركة ، والحركةفهم و إيمان، وهكذا ترون أن كل شيء يبدأ بالإنسان” . القائد المعلم جمال عبد الناصر . في حركة...

موافقة حماس على مشروع ترامب ضربة معلم !!

فاجأ دونالد ترامب العالم -بعد تغييب- بأن حركة حماس وافقت على التخلي عن سلاحها ، كجزء من صفقةٍ- اتفاق كان عقد قبل شهرين بتأليف مجلس سلام برئاسة ترامب نفسه ، مفوضا ملادينوف بإدارته...