واجهت صور تحديات عديدة من القوى الكبرى في المدينة، وحاصرها الآشوريون والبابليون و الأغريق .
شلمنصر الخامس
(حوالي 725 ق.م)، ثارت مدينة صور الفينيقية بزعامة ملكها “إيلولاي” بوجه الملك الأشوري شلمنصر الخامس ، بعد أن رفضت دفع الجزية وتحالفت مع مصر. فكان حصار أشوري بحري وبري للمدينة استمر لنحو خمس سنوات، واستمر الصوريون في صمودهم متحدين الحصار. فشلت القوات الأشورية في اقتحام الجزيرة، وانتهى الحصار دون تحقيق انتصار حاسم بعد أن توفي شلمنصر الخامس فجأة عام 722 ق.م.
نبوخذ نصر الثاني و الأسكندر المقدوني
حاصرها الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني لمدة 13 عامًا في القرن السادس قبل الميلاد دون كسر دفاعاتهم.
وحاصرها الإسكندر الأكبر، بمساعدة الأساطيل الفينيقية والمقدونية وأساطيل كيليكيا وقبرص . فتمكنت السفن الفينيقية من فتح المرفأ الجنوبي فيها ،بينما هاجمت سفن القبارصة المرفأ الشمالي للجزيرة.
قاوم الصوريون حتى بالحجارة ، ورفضوا الاحتماء بالأماكن المقدسة وقد أعطى الأسكندر الأمان للمحتمين بداخلها . أمر الإسكندر بإحراق البيوت وبقتل الجميع ،حتى تمكن أخيرًا من احتلالها بعد حصار دام سبعة أشهر.
سقطت المدينة في 7/7/ 332 ق. ولم تستسلم .
ثورة علاقة
بعدما خضع الساحل الفينيقي كله لسيطرة الفاطميين ومن ضمنه مدينة صور. ساءت الحالة الاقتصادية في المدينة.
انتفض الصوريّون تحت قيادة البحار الصوري «علاقة» الذي طرد الحامية الفاطمية من المدينة واستقل بها وصك النقود المعدنية التي نقشت عليها العبارة التالية «عز بعد فاقة الأمير علاقة.». جرد «الفاطميون » اسطولًا بحريًا للقضاء عليه واسترجاع صور من قبضته . التحمت قواتهم في قتال شديد مع الثوار الصوريين الذين استبسلوا في الدفاع عن مدينتهم، إلا أن ضعف الإمكانات الصورية والتفاوت في موازين القوى بين الطرفين؛ أدى إلى سقوط المدينة مجددًا في ايدي الفاطميين الذين نكلوا بالثوار وأسروا قائدهم «علاقة» وقاموا بسلخ جلده وهو حي ،وحشوه بالقش والتبن ومن ثم صلبوه حتى الموت على أسوار المدينة.
صيدا ترفض الذل وتنتحر :
عندما حاول الملك الفارسي “أرتحشستا الثالث” (أوخوس) إعادة احتلال مدينة صيدا بعدثورتها على حكمه، فرض حصارًا طويلًا عليها (351 ق.م ). بعده و بعد خيانة ملكهم “تنس”، كان القرار الصيداوي : الانتحار الجماعي وعدم الخضوع للذل؛ فأغلقوا أبواب بيوتهم وأضرموا النيران فيها وبأنفسهم. فيما وُصف بأنه “أول انتحار قومي وجماعي في التاريخ”.
العامليون يثورون ويقامون الولاة العثمانين
كثيرة هي مقاومات العامليين ومقاطعجيهم للولاة العثمانيين و مقاطعجية جبل لبنان المعنيين كالملقب ب( فخر الدين الثاني ) و الشهابيين كالبطاش بإصحاب الفضل عليه و بأقاربه و شعبه (بشير الثاني) ، لكن سنكتفي بأشهرها و أكثرها أثرًا في تاريخنا ،وأهمها رمزية ودلالة وأندرها تداولًا وذكرًا في التأريخ المدرسي و الجامعي عندنا .
عندما حكم الجزار ولاية صيدا، حاول فرض سيطرته على جبل عامل بالقوّة والعنف . فرض الضرائب والرسوم الثقيلة على المزارعين ، واستولى على أراضيهم وممتلكاتهم، وأقام معسكرات في قراهم، وأسكن المرتزقة في منازلهم، وقتل كل من خالفه أو ناهضه وسجنه وعذّبه ونكّل بالعلماء، وصادر كل الكتب والمخطوطات الثمينة في مكتبات جبل عامل. قاومه العامليون بقيادة الشيخ ناصيف النصار الذي استشهد في معركة «يارون» في 24/9/ 1781م؛ بعدما زلت فرس الشيخ ناصيف في الميدان مما أدى إلى سقوطه ومقتله، وهو ما رجّح كفة قوات الجزار. استمرت حركة الثوار في التصدّي للوالي وجنوده، لاستمراره بمضايقة العامليين فكانت حركة “الطياحة” . قاوم “الطياحة” العامليون بأسلوبين: -حرب العصابات والكمائن مستفيدين من معرفتهم بجغرافية ووعورة تضاريس جبل عامل. -والعصيان المدني: شملت الحركة الامتناع عن العمل في الأراضي ورفض سلطة الولاة والمشايخ الموالين للجزار. ردّ الجزار على الطياحة بتأسيس فرق عسكرية خاصة لملاحقتهم. ولم تستقر الأحوال في جبل عامل إلا بعد مصرع الجزّار وموافقة الوالي الجديد سليمان باشا على سحب العساكر العثمانية من المنطقة.
بمواجهة الانتداب الفرنسي
كانت مواقف العامليين و علمائهم و إقطاعييهم رفضًا لتقاسم وتقسيم الأستعمارين الفرنسي و البريطاني بلاد الشام إلى جمهوريات و أمارات ، ومؤيدة لمملكة فيصل في دمشق . اقترنت المواقف السياسية بالمقاومة العسكرية قتالًا واغتيالات . حاول أدهم خنجرالذي حاول اغتيال الجنرال غورو، المندوب السامي الفرنسي ، أثناء مروره في القنيطرة في22/6/ 1921، بعد سقوط دمشق في 24/7/ 1920. لجأ إلى دارة سليمان باشا الأطرش الذي قاد ثورة ضد الفرنسين انتقامًا لاعتقال خنجر من دارته و إعدامه .
ومحمود أحمد بزي . وأكثرها تنظيمًا كانت بقيادة صادق حمزة . وعن بطولات فرقته كتبت جريدة « البشير » الموالية للانتداب الفرنسي منددة مستاءة آسفة منزعجة في 13 /1/1920 : « …. وقد ألحقت بالفرقة الفرنسية خسائر فادحة وضربتها ضربات موجعة جدًا . ويسعنا القول أن الفرقة الفرنسية أصيبت بخسائرلم تتجاوز الخمسين بين قتيل و جريح ومفققود. و أنها اضطرت إلى ترك ثلاثة مدافع رشاشة في مستنقعات الليطاني ». وأعاد صادق حمزة أموالًا من جابي ضرائب جمعها للفرنسين وأعادها لدافعيها من أبناء « تبنين » وحذرهم من دفع أي مبلغ آخر آخر لحكومة الانتداب الفرنسي . كماتصدى (حمزة) ببسالة – على مدى سبع ساعات – مع رجاله السبعة عشرلحملة الجنرال الفرنسي نيجر بأربعة الآف عسكري ، وانسحبوا بسلام بعدما نفذت ذخيرتهم . وأقسم المجتمعون في «مؤتمر وادي الحجير« وعلى رأسهم قادة الفرق المسلحة ، أمام مرجعياتهم الدينية بأن لا يتعرضوا لأي مسلم أو مسيحي إلا من والى الفرنسيين . وبعد أن اعتقلت سلطات الانتداب الفرنسية زعامات لبنانية في 11/11/1942 ، شهدت مناطق لبنانية وبينها صيدا و صور و النبطية ، مظاهرات و اعتصامات حتى 21/11/1942.
تظاهرات شعبية – صدامات – اقتتال
رغم الجلاء الفرنسي عن بلادنا ، لم تقم في بلادنا دولة حماية و رعاية . تمسكت الطغمة الحاكمة بمكتسبات موروثة وامتيازاتها وتداعياتها . تفاقمت احتجاجات شعبية في جبل عامل امتدادًا لمثيلاتها في المناطق الأخرى ، لتحقيق مطالب اجتماعية أشهرها مظاهرات مزارعي التبغ ودعم المطالب التربوية وآخرها قبل اندلاع الحرب الأهلية المدولة 1975- 1990 كانت مظاهرات صيادي السمك في صيدا بقيادة معروف سعد المناضل الناصري النائب الأسبق معروف سعد . فاتحتها كانت في اسقاط رئيس الجمهوري بشارة الخوري في 18/9/ 1952للفساد و الهدر اللذين وسما ولايته الممددة . بعدها منع الرفض الشعبي المسلح والاحتجاجات في معظم الأراضي اللبنانية ، لاسيما في جبل عامل كميل شمعون من تجديد ولايته ، لعدم دستورية التجديد، ولتبعية شمعون لمشروع إيزنهاور. واحتضن العامليون المقاومة الفسطينية ، وأجبروا- بمشاركة لبنانيين من فصائل سياسية متعددة العدو الصهيوني على الانسحاب من معظم الأراضي المحتلة في 25/ 5/ 2000 ، وحققوامعهم انتصارات صيف 2006.
ثقافة مقاومة ملهمة باستحضار تاريخنا المقاوم، فنعيش حاضرنا فعل مقاومة لتحرير أرضنا وإنساننا.
فمقاومة العامليين تاريخ ملهم نعيشه ، لا ماضٍ للذكرى .


