الأحد، 14 يونيو 2026
بيروت
21°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الفساد المستشري… و”لقمة الفقير” التي لا تزال تُسرق

كارولين ياغي

في بلد أنهكه الفساد حتى العظم، لا يُفاجئ اللبناني كثيرًا حين يسمع عن توقيفات أو تحقيقات تطال شخصيات عامة. لكن ما يعجز عن قبوله هو أن يبقى الفقير هو الخاسر الوحيد دائمًا، وأن تُسرق لقمته فيما تُرفَع الشعارات عن النزاهة والمحاسبة والشفافية.

نعم، بدأت التوقيفات. وتلك خطوة مهمّة، ولو جاءت متأخرة. لكن من الضروري أن نتذكّر: الموقوف ليس مذنبًا حتى تثبت إدانته. العدالة لا تُبنى على الشائعات، ولا تُنتزع بالثأر. نحن لا نطلب الانتقام، بل الحقيقة، والمحاسبة العادلة، وإنصاف الناس الذين تعبوا، الذين دُفعوا ثمنًا لكل هذا الفساد المتراكم.

اللبناني مظلوم، لا لأن الفساد موجود فقط، بل لأن المحاسبة نادرة، والمساءلة غالبًا انتقائية. السؤال ليس فقط: “من التالي؟”، بل: هل ستُكمل الدولة هذا المسار بشفافية وشجاعة؟ وهل سنرى يومًا عدالة لا تفرّق بين كبير وصغير، بين محميّ وغير محميّ؟

كثيرون ممن وصلوا إلى مواقع المسؤولية لم يتعاملوا معها كأمانة، بل كفرصة. فرصة للنفوذ، للكسب، للتموضع… وأحيانًا، للاستفادة المبطّنة من المنصب. والأخطر، أن بعضهم فعل ذلك تحت غطاء الشهرة أو الثقة العامة.

أحد الزملاء روى لي، يومًا، كيف عُرض عليه مبلغ مالي بعد مقابلة أجراها. رفض بهدوء، لأنه لم يستطع أن “يبلعها”، كما قال. ضميره لم يسمح له أن يساوم على مهنيته، حتى لو كان الأمر مغلفًا بـ”الشكر والتقدير”. وتلك حالات قليلة، لكنها تستحق أن تُروى، لأنها تُذكّرنا أن الضمير لم يمت بالكامل.

مثل هذه المواقف، رغم قلتها، تضيء وسط العتمة

الفساد في لبنان ليس جديدًا، ولا محصورًا في ملف أو شخص أو طائفة. إنه منظومة متشابكة، تسللت إلى الإدارات، والمجالس، والمناقصات، والمجاملات اليومية. ولهذا فإن أي خطوة نحو المساءلة، ولو كانت خجولة، تبقى أفضل من الصمت.

لكن المطلوب اليوم أكثر من توقيفات. المطلوب مسار واضح، عادل، وشفاف. المطلوب أن يشعر اللبناني أن هناك من يحمي حقه، لا من يحاصره حين يطالب بلقمة عيشه أو علاجه أو تعليمه

الناس تريد الأمل، لكن ليس الكلام المعسول. تريد العدالة، لكن لا عدالة بلا جرأة

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حين يتحول الزواج إلى مشروع استثماري!

في كل مرة تُطرح فيها قضية تأخر سن الزواج في مصر، تتجه الأنظار مباشرة إلى الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. لا شك أن هذه عوامل حقيقية ومؤثرة، لكن...

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...