السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الفساد المستشري… و”لقمة الفقير” التي لا تزال تُسرق

كارولين ياغي

في بلد أنهكه الفساد حتى العظم، لا يُفاجئ اللبناني كثيرًا حين يسمع عن توقيفات أو تحقيقات تطال شخصيات عامة. لكن ما يعجز عن قبوله هو أن يبقى الفقير هو الخاسر الوحيد دائمًا، وأن تُسرق لقمته فيما تُرفَع الشعارات عن النزاهة والمحاسبة والشفافية.

نعم، بدأت التوقيفات. وتلك خطوة مهمّة، ولو جاءت متأخرة. لكن من الضروري أن نتذكّر: الموقوف ليس مذنبًا حتى تثبت إدانته. العدالة لا تُبنى على الشائعات، ولا تُنتزع بالثأر. نحن لا نطلب الانتقام، بل الحقيقة، والمحاسبة العادلة، وإنصاف الناس الذين تعبوا، الذين دُفعوا ثمنًا لكل هذا الفساد المتراكم.

اللبناني مظلوم، لا لأن الفساد موجود فقط، بل لأن المحاسبة نادرة، والمساءلة غالبًا انتقائية. السؤال ليس فقط: “من التالي؟”، بل: هل ستُكمل الدولة هذا المسار بشفافية وشجاعة؟ وهل سنرى يومًا عدالة لا تفرّق بين كبير وصغير، بين محميّ وغير محميّ؟

كثيرون ممن وصلوا إلى مواقع المسؤولية لم يتعاملوا معها كأمانة، بل كفرصة. فرصة للنفوذ، للكسب، للتموضع… وأحيانًا، للاستفادة المبطّنة من المنصب. والأخطر، أن بعضهم فعل ذلك تحت غطاء الشهرة أو الثقة العامة.

أحد الزملاء روى لي، يومًا، كيف عُرض عليه مبلغ مالي بعد مقابلة أجراها. رفض بهدوء، لأنه لم يستطع أن “يبلعها”، كما قال. ضميره لم يسمح له أن يساوم على مهنيته، حتى لو كان الأمر مغلفًا بـ”الشكر والتقدير”. وتلك حالات قليلة، لكنها تستحق أن تُروى، لأنها تُذكّرنا أن الضمير لم يمت بالكامل.

مثل هذه المواقف، رغم قلتها، تضيء وسط العتمة

الفساد في لبنان ليس جديدًا، ولا محصورًا في ملف أو شخص أو طائفة. إنه منظومة متشابكة، تسللت إلى الإدارات، والمجالس، والمناقصات، والمجاملات اليومية. ولهذا فإن أي خطوة نحو المساءلة، ولو كانت خجولة، تبقى أفضل من الصمت.

لكن المطلوب اليوم أكثر من توقيفات. المطلوب مسار واضح، عادل، وشفاف. المطلوب أن يشعر اللبناني أن هناك من يحمي حقه، لا من يحاصره حين يطالب بلقمة عيشه أو علاجه أو تعليمه

الناس تريد الأمل، لكن ليس الكلام المعسول. تريد العدالة، لكن لا عدالة بلا جرأة

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...