يعيش العراق منذ أكثر من عقدين على وقع تحولات سياسية متسارعة جعلت من تشكيل الحكومات عملية تتجاوز الحسابات الدستورية إلى معادلات أكثر تعقيدا تتداخل فيها كل الأعتبارات الشعبية والسياسية والإقليمية فضلا عن طبيعة النظام السياسي القائم على التوافق والتوازن بين القوى و الأحزاب المختلفة وفي هذا السياق فإن أي موقف يصدر عن زعيم التيار الصدري سماحة السيد مقتدى الصدر إتجاه أي حكومة ينظر إليه بأعتباره حدثا وواقعا سياسيا مؤثرالما يمثله من حضور جماهيري واسع وثقل سياسي لا يمكن تجاهله وفي هذا الإطار إذا أفترضنا وجود دعم من السيد مقتدى الصدر لحكومة علي الزيدي فإن هذا الدعم لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تأييد سياسي عابر بل بأعتباره خطوة تحمل أبعادا إستراتيجية تتجاوز الأشخاص إلى طبيعة المرحلة المقبلة وإلى مستقبل العلاقة بين القوى و الأحزاب السياسية والدولة.
إن التجربة العراقية أثبتت أن الحكومات لا تنجح بمجرد حصولها على الأغلبية البرلمانية بل تحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة وإلى غطاء وطني يخفف من حدة الأستقطاب ويمنحها القدرة على تنفيذ برامجها الإصلاحية ومن هنا فإن أي دعم يصدر من شخصية بحجم السيد مقتدى الصدر يمكن أن يمنح الحكومة مساحة أوسع للحركة ويعزز ثقة جزء من الشارع بقدرتها على تنفيذ وعودها و لكن هذا الدعم في الوقت نفسه لا ينبغي أن يفهم بأعتباره تفويضا مفتوحا حيث أن التجربة السياسية للتيار الصدري تشير إلى أن معيار الدعم غالبا ما يرتبط في مستوى الإنجاز الحقيقي وبقدرة الحكومة على مكافحة الفساد وتعزيز هيبة الدولة وتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل وترسيخ العدالة الإجتماعية.
ومن زاوية أخرى فإن أي حكومة عراقية تواجه تحديات مركبة تبدأ من الوضع الأقتصادي ولا تنتهي عند الملفات الأمنية والسياسية فإن لعراق يمتلك إمكانات كبيرة و لكنه يحتاج إلى إدارة فعالة للموارد وإلى إصلاح مؤسسات الدولة وإلى بناء ثقة متبادلة بين المواطن والحكومة وإذا أستطاعت الحكومة تحقيق تقدم ملموس في هذه الملفات فإنها ستكون قادرة على تحويل الدعم السياسي إلى نجاح عملي يشعر به المواطن في حياته اليومية.
و كما أن المشهد الإقليمي والدولي يفرض على أي حكومة عراقية إتباع سياسة متوازنة تقوم على حماية المصالح الوطنية والإبتعاد عن سياسة المحاور و تعزيز علاقات العراق مع محيطه العربي والإسلامي والمجتمع الدولي بما يخدم الإستقرار والتنمية.
ومن الناحية الشعبية فإن الشارع العراقي أصبح أكثر وعيا وأقل أستعدادا لمنح الثقة المطلقة لأي حكومة فإن المواطن اليوم يقيس النجاح بمستوى الخدمات وفرص العمل و أستقرار الكهرباء وتحسين التعليم والصحة ومحاربة الفساد وليس في الشعارات السياسية وحدها ولذلك فإن أي حكومة تحظى بدعم سياسي كبير ستكون مطالبة بتحويل هذا الدعم إلى إنجازات ملموسة و إن نجاح الحكومة في هذا السيناريو سيكون مرهونا بقدرتها على إدارة الأختلافات السياسية بروح الحوار وبناء الشراكات الوطنية القائمة على إحترام الدستور والمؤسسات بعيدا عن منطق الإقصاء أو الأحتكار حيث أن العراق يحتاج إلى مرحلة يكون فيها التنافس على تقديم الحلول لا على تعميق الخلافات.
وفي المقابل فإن المعارضة السياسية تمثل جزءا أساسيا من أي نظام ديمقراطي إذ تسهم في الرقابة وتقويم الأداء وهو ما يجعل نجاح أي حكومة مرتبطا أيضاً بوجود بيئة سياسية تسمح في النقد البناء والمسألة مع الحفاظ على أستقرار الدولة ومؤسساتها حيث أن مستقبل أي حكومة عراقية لا تحدده فقط مواقف القوى و الأحزاب السياسية المؤثرة وإنما تحدده قبل كل شيء قدرتها على تحقيق تطلعات المواطنين و إحترام الدستور وترسيخ دولة المؤسسات والقانون وإذا توافرت الإرادة السياسية الحقيقية والإدارة الكفوءة والرؤية الوطنية الجامعة فإن العراق يمتلك كل المقومات للانتقال إلى مرحلة أكثر أستقرارا وأزدهارا يكون فيها المواطن هو المستفيد الأول من أي توافق سياسي وتكون الدولة هي الإطار الجامع لجميع أبنائها بعيدا عن الأنقسامات والصراعات التي أثقلت كاهل البلاد لسنوات طويلة.


