الإثنين، 14 سبتمبر 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

‎بين شبح الحرب وواقع الانقسام: ماذا فعل اللبنانيون أمام التهديد الإسرائيلي؟

كارولين ياغي

‎كلّما طُرح شبح الحرب مجددًا في لبنان، تكرّر المشهد نفسه من دون أي مفاجأة: قلقٌ يسري في الشارع، خوفٌ يتسلّل إلى البيوت، وتساؤلات معلّقة حول الغد. لكنّ المقلق حقًا لا يقتصر على الأحاديث المتزايدة عن احتمال مواجهة جديدة مع إسرائيل، بل يتجاوزها إلى طريقة تعاطي اللبنانيين، ولا سيما قواهم السياسية، مع هذا الاحتمال.
فبدلاً من أن يتحوّل الخطر الخارجي إلى لحظة جامعة تستدعي رصّ الصفوف، عاد ليُستثمر كوقود للخلافات، وساحة للمهاترات وتبادل الاتهامات، واستحضار الانقسامات المزمنة. كل طرف قرأ التهديد من منظاره الخاص، وكل حزب لجأ إلى خطابه التقليدي، كأنّ البلاد لا تقف أمام مصير واحد، بل أمام مسارات متناحرة يتنازع الجميع على إدارتها بدلاً من السعي إلى تفاديها.
المفارقة القاسية أنّ كل بارقة أمل بالاستقرار أو التعافي الاقتصادي.. سرعان ما تتبدّد تحت وطأة هاجس الحرب. حرب لم تعد مجرد سيناريو عسكري محتمل، بل تحوّلت إلى عبء نفسي جماعي يقيّد تفكير الناس، ويشلّ قدرتهم على التخطيط، ويقوّض ثقتهم بأي حديث عن مستقبل أفضل.
أما الأحزاب، فبدلاً من أن تتقدّم بمبادرات توحيدية تُطمئن الداخل وتبعث برسائل واضحة إلى الخارج، بدت أكثر براعة في تعميق الانقسام. استقطاب حاد، تخوين متبادل، واصطفافات تتجدّد عند كل منعطف، من دون أي محاولة جدّية لصوغ موقف وطني مشترك يرقى إلى حجم الخطر.
والأشد خطورة، أنّ النبرة الطائفية عادت لتطفو على السطح، وكأنّ الحرب إن اندلعت ستصيب فئة من دون أخرى، أو منطقة من دون سواها. فيما الواقع، كما التاريخ، يثبتان أنّ الاعتداء لا يميّز بين طائفة وأخرى، وأنّ النار، متى اشتعلت، تطال الجميع من دون استثناء.
من هنا، تبرز اليوم حاجة ملحّة، لا إلى خطابات شعبوية أو استعراضات سياسية، بل إلى حدّ أدنى من التفاهم الوطني. تفاهم لا ينكر عمق الخلافات القائمة، لكنه يعلّقها مؤقتًا أمام تهديد وجودي يطال الوطن بأكمله.
قد يكون توحيد الصف مهمة شاقة في بلد اعتاد الانقسام، لكنّ التمسّك بالتشرذم في لحظة مفصلية كهذه هو مخاطرة لا يحتملها لبنان. فإما أن تشكّل التهديدات فرصة لإعادة تعريف الشراكة الوطنية، أو تتحوّل، كما في مرات سابقة، إلى حلقة إضافية في مسلسل الإحباط العام.
في الخلاصة، لا يحتاج اللبنانيون إلى من يذكّرهم ببشاعة الحرب، فقد عاشوا فصولها بما يكفي. ما يحتاجونه اليوم هو من يقنعهم بأنّ الخطر الخارجي قادر، إن أُحسن التعامل معه، على أن يكون مدخلًا للوحدة لا سببًا جديدًا للانقسام.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لعبة القط والفأر فى حرب "هرمز"

لا نعتقد بداهة أن تغيير لون شعر رأس الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” ، وتحويله من اللون “الأشقر” إلى اللون “البنى” ، سوف يغير من طريقة تفكيره ،...

الكيانات الوطنيةالمستحدثة ؛ صنيعة مصالح الدول المنتصرة

لبنان الجبل  و الدولة لبنان هذا، ما عُرِفَ ككيان سياسي موحد قبل إعلانه في 1 / 9/ 1920 ، ولا كانت له حدوده الجغرافية المعروفة والمتعارف عليها، كما يُضَلِّل من يحاول أن يخترع...

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...