الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

يتبع ...الجزء الثاني – زيارة من قزوين في أيران الى كربلاء في العراق

عندما دخلت خديجة بيتنا ، لو أفرغت على رأسها كيساً مملوءاً بالدخن لعلقت كل الحبوب في أخاديد وثقوب وجهها ، ولما سقطت حبة واحدة … حسناً أنا كنت سيدة البيت وكانت خديجة تعمل وتطهو … ولم يكد يمر شهر واحد حتى استردت تضاريسها وسمنت وقويت بعد ضعف وهزال ، وعندئذ حبلت ، حسناً أصبح معلوماً أن خديجة أفلحت ، وأصبح زوجي ملتفتاً إليها بكل جوارحه ، إن اشتهت برقوقاً في أكثر أيام الشتاء برداً كان زوجي ” كدا علي ” يحضره لها من تحت الصخر ، وأنا قد أصبحت تعيسة الحظ ! .

وكل ليلة عندما يأتي كدا علي الى البيت كان يُحضر لحجرة خديجة كل ما تتوحم عليه ، وأنا كنت أعيش معه من باب الصدقة – خديجة بنت حسن اللبان التي عندما دخلت بيتنا كانت تبدو كالصعاليك وغير مهندمة باتت الآن تتكبر علي ، عندئذ ندمت وعلمت أني أخطأت ، وصبرت تسعة أشهر كنت فيها أتظاهر بالعافية أمام الجيران ، لكنني كنت أضطهد خديجة بشدة في الأيام التي لم يكن زوجي فيها موجوداً ، وأغتابها وأفتري عليها لدى زوجي ، حيث كنت أقول :

” عند الشيخوخة أصبحتَ مغرماً بذات عيون الضفدع  ! إنك لا تنجب أصلاً ، إنه من نطفة عشيق .. خديجة تحاول أن تحبل من الحاج تقي صانع الملاعق ” ، وكانت خديجة أيضاً تفسد علي الأمر وتغتابني لدى كدا علي … لا أوجع رأسكم ، كان تحدُث في بيتنا جلبة كل يوم ، وحدث ولا حرج .. وجميع جيراننا تعذبوا من صراخنا ، وكنت قلقة جداً وخائفة أن يكون المولود صبياً .

ذهبت وفتحت الطالع ولجأت الى السحر والشعوذة ، لكن السحر لم يجد معها ، وكأن خديجة كانت قد أكلت لحم الخنازير فكانت تسمن كل يوم حتى وضعت خديجة هانم في تمام الشهر التاسع وتسعة أيام وتسع ساعات وتسع دقائق .. وماذا أنجبت ؟ .. صبياً .

وأصبحت أنا تافهة في بيت زوجي ! لم أعلم هل كان لدى خديجة خرز الثعبان ، أم قد أعطت شيئاً ” لكدا علي ” ليأكله ؟ وأصبحت تلك المرأة التي احضرتها بنفسي من حي الشحاذين ، أصبحت تعرف نقاط ضعفي جيداً ، إذ قالت لي أمام زوجي : ” يا عزيزة آغا بدون إزعاج فإن يدي لا تصل اغسلي حفاضات الطفل ” ، حين قالت هذا استشطت غضباً ، وقلت أمام كدا علي كل ما خرج من فمي ، وطلبت منه أن يطلقني ، لكن المرحوم كام يقبل يدي ويقول : ” لماذا تفعلين هكذا ؟ أخاف أن ترضع الطفل لبن الإعراض دعي الطفل يقدر أن يشب وعندئذ سأطلق خديجة ” .

لكني لم أعد آكل وأنام من شدة الأوهام ، أغفر لي يا رب .. حتى من أجل أن أحرق قلب خديجة ، ذات يوم بمجرد أن خرجت خديجة الى الحمام وخلا البيت ، ذهبت الى مهد الطفل وسحبت الدبوس من حجابي أسفل حلقي وأدرت وجهي ، وغرست الدبوس حتى نهايته في يافوخ الطفل ، لم يسكت الطفل طوال ليلتين ويومين ، وكلما صرخ كان قلبي يتمزق ، وما من فائدة مهما دعونا له وعالجناه ، إذ كان عبثاً ، لأنه مات في عصر اليوم الثاني .

حسناً كان واضحاً أن خديجة وزوجي بكيا على الطفل وحزنا ، لكن أنا كنت كشخص قد شفا غليله ووصل الى غايته ، وقلت الى نفسي على الأقل ستبقى حسرة الطفل في قلوبهما ! ولم يكد يمر شهران على هذا ، حتى حبلت خديجة مرة ثانية ، هذه المرة لم أكن أعلم ماذا افعل ، وأقسم بالله أني رقدت شهرين فاقدة الوعي ومريضة من شدة الحزن ، وفي تمام الشهر التاسع وضعت خديجة طفلاً آخر ، وصارت العزيزة المحبوبة مرة أخرى ، كان كدا علي يضحي لله من أجل الطفل .. وإذا كان الله قد أعطى قوم موسى ، أي الشعب المختار منجلاً تافهاً يلهون به ، فإنه وهب كدا علي ابناً وسيماً ومكث يومين في البيت ووضع الطفل قبالته كتمثال وبات يتفرج عليه .

مرة أخرى نفس الطاس ونفس الحمام ! يا سادتي هذا ليس ذنبي ، إذ لم أكن أستطيع أن أرى ضرتي وطفلها ، وذات يوم حين كانت خديجة منشغلة جداً قمت بالكمين ، ومرة أخرى سحبت الدبوس من أسفل حلقي وغرسته في يافوخ الطفل ، ومات الطفل بعد يوم واحد ، كان واضحاً ، ومرة أخرى انطلقت الصيحات والصرخات ، هذه المرة لا تعلمون كيف كان حالي ، من ناحية كنت كأنهم قد وهبوني كل ثروات العالم ، لأني قد تركت وسم الطفل في قلب خديجة ، ومن ناحية كنت أفكر أني الآن قد ارتكبت جريمتين ..

كنت أندب وأبكي ، بكيت لدرجة أن خديجة وكدا علي رأفا بحالي ، وقد تعجبا أني كم أحببت الطفل ابن ضرتي – لكن البكاء لم يكن بسبب الطفل ، بل كان على نفسي من أجل يوم القيامة وضمة القبر ، وفي تلك اليلة قال لي زوجي : ” إذن لم يكن مقسوماً لي أن أنجب ، فكما ترين أن أطفالي لا يشبون ويموتون ” .. ولم يكد الشتاء يمضي حتى حبلت خديجة مرة أخرى ..

التتمة في الأسبوع القادم ……

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...

حين تقترب حرب إيران وأميركا من لبنان

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة محصورة في جبهة واحدة، بل امتدت إلى الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية، فيما بدأت تداعياتها تطال أكثر من ساحة في المنطقة. ومع اتساع رقعة...