الأحد، 14 يونيو 2026
بيروت
21°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

‎بين شبح الحرب وواقع الانقسام: ماذا فعل اللبنانيون أمام التهديد الإسرائيلي؟

كارولين ياغي

‎كلّما طُرح شبح الحرب مجددًا في لبنان، تكرّر المشهد نفسه من دون أي مفاجأة: قلقٌ يسري في الشارع، خوفٌ يتسلّل إلى البيوت، وتساؤلات معلّقة حول الغد. لكنّ المقلق حقًا لا يقتصر على الأحاديث المتزايدة عن احتمال مواجهة جديدة مع إسرائيل، بل يتجاوزها إلى طريقة تعاطي اللبنانيين، ولا سيما قواهم السياسية، مع هذا الاحتمال.
فبدلاً من أن يتحوّل الخطر الخارجي إلى لحظة جامعة تستدعي رصّ الصفوف، عاد ليُستثمر كوقود للخلافات، وساحة للمهاترات وتبادل الاتهامات، واستحضار الانقسامات المزمنة. كل طرف قرأ التهديد من منظاره الخاص، وكل حزب لجأ إلى خطابه التقليدي، كأنّ البلاد لا تقف أمام مصير واحد، بل أمام مسارات متناحرة يتنازع الجميع على إدارتها بدلاً من السعي إلى تفاديها.
المفارقة القاسية أنّ كل بارقة أمل بالاستقرار أو التعافي الاقتصادي.. سرعان ما تتبدّد تحت وطأة هاجس الحرب. حرب لم تعد مجرد سيناريو عسكري محتمل، بل تحوّلت إلى عبء نفسي جماعي يقيّد تفكير الناس، ويشلّ قدرتهم على التخطيط، ويقوّض ثقتهم بأي حديث عن مستقبل أفضل.
أما الأحزاب، فبدلاً من أن تتقدّم بمبادرات توحيدية تُطمئن الداخل وتبعث برسائل واضحة إلى الخارج، بدت أكثر براعة في تعميق الانقسام. استقطاب حاد، تخوين متبادل، واصطفافات تتجدّد عند كل منعطف، من دون أي محاولة جدّية لصوغ موقف وطني مشترك يرقى إلى حجم الخطر.
والأشد خطورة، أنّ النبرة الطائفية عادت لتطفو على السطح، وكأنّ الحرب إن اندلعت ستصيب فئة من دون أخرى، أو منطقة من دون سواها. فيما الواقع، كما التاريخ، يثبتان أنّ الاعتداء لا يميّز بين طائفة وأخرى، وأنّ النار، متى اشتعلت، تطال الجميع من دون استثناء.
من هنا، تبرز اليوم حاجة ملحّة، لا إلى خطابات شعبوية أو استعراضات سياسية، بل إلى حدّ أدنى من التفاهم الوطني. تفاهم لا ينكر عمق الخلافات القائمة، لكنه يعلّقها مؤقتًا أمام تهديد وجودي يطال الوطن بأكمله.
قد يكون توحيد الصف مهمة شاقة في بلد اعتاد الانقسام، لكنّ التمسّك بالتشرذم في لحظة مفصلية كهذه هو مخاطرة لا يحتملها لبنان. فإما أن تشكّل التهديدات فرصة لإعادة تعريف الشراكة الوطنية، أو تتحوّل، كما في مرات سابقة، إلى حلقة إضافية في مسلسل الإحباط العام.
في الخلاصة، لا يحتاج اللبنانيون إلى من يذكّرهم ببشاعة الحرب، فقد عاشوا فصولها بما يكفي. ما يحتاجونه اليوم هو من يقنعهم بأنّ الخطر الخارجي قادر، إن أُحسن التعامل معه، على أن يكون مدخلًا للوحدة لا سببًا جديدًا للانقسام.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

حين يتحول الزواج إلى مشروع استثماري!

في كل مرة تُطرح فيها قضية تأخر سن الزواج في مصر، تتجه الأنظار مباشرة إلى الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. لا شك أن هذه عوامل حقيقية ومؤثرة، لكن...

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...