الأربعاء، 29 يوليو 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

‎بين شبح الحرب وواقع الانقسام: ماذا فعل اللبنانيون أمام التهديد الإسرائيلي؟

كارولين ياغي

‎كلّما طُرح شبح الحرب مجددًا في لبنان، تكرّر المشهد نفسه من دون أي مفاجأة: قلقٌ يسري في الشارع، خوفٌ يتسلّل إلى البيوت، وتساؤلات معلّقة حول الغد. لكنّ المقلق حقًا لا يقتصر على الأحاديث المتزايدة عن احتمال مواجهة جديدة مع إسرائيل، بل يتجاوزها إلى طريقة تعاطي اللبنانيين، ولا سيما قواهم السياسية، مع هذا الاحتمال.
فبدلاً من أن يتحوّل الخطر الخارجي إلى لحظة جامعة تستدعي رصّ الصفوف، عاد ليُستثمر كوقود للخلافات، وساحة للمهاترات وتبادل الاتهامات، واستحضار الانقسامات المزمنة. كل طرف قرأ التهديد من منظاره الخاص، وكل حزب لجأ إلى خطابه التقليدي، كأنّ البلاد لا تقف أمام مصير واحد، بل أمام مسارات متناحرة يتنازع الجميع على إدارتها بدلاً من السعي إلى تفاديها.
المفارقة القاسية أنّ كل بارقة أمل بالاستقرار أو التعافي الاقتصادي.. سرعان ما تتبدّد تحت وطأة هاجس الحرب. حرب لم تعد مجرد سيناريو عسكري محتمل، بل تحوّلت إلى عبء نفسي جماعي يقيّد تفكير الناس، ويشلّ قدرتهم على التخطيط، ويقوّض ثقتهم بأي حديث عن مستقبل أفضل.
أما الأحزاب، فبدلاً من أن تتقدّم بمبادرات توحيدية تُطمئن الداخل وتبعث برسائل واضحة إلى الخارج، بدت أكثر براعة في تعميق الانقسام. استقطاب حاد، تخوين متبادل، واصطفافات تتجدّد عند كل منعطف، من دون أي محاولة جدّية لصوغ موقف وطني مشترك يرقى إلى حجم الخطر.
والأشد خطورة، أنّ النبرة الطائفية عادت لتطفو على السطح، وكأنّ الحرب إن اندلعت ستصيب فئة من دون أخرى، أو منطقة من دون سواها. فيما الواقع، كما التاريخ، يثبتان أنّ الاعتداء لا يميّز بين طائفة وأخرى، وأنّ النار، متى اشتعلت، تطال الجميع من دون استثناء.
من هنا، تبرز اليوم حاجة ملحّة، لا إلى خطابات شعبوية أو استعراضات سياسية، بل إلى حدّ أدنى من التفاهم الوطني. تفاهم لا ينكر عمق الخلافات القائمة، لكنه يعلّقها مؤقتًا أمام تهديد وجودي يطال الوطن بأكمله.
قد يكون توحيد الصف مهمة شاقة في بلد اعتاد الانقسام، لكنّ التمسّك بالتشرذم في لحظة مفصلية كهذه هو مخاطرة لا يحتملها لبنان. فإما أن تشكّل التهديدات فرصة لإعادة تعريف الشراكة الوطنية، أو تتحوّل، كما في مرات سابقة، إلى حلقة إضافية في مسلسل الإحباط العام.
في الخلاصة، لا يحتاج اللبنانيون إلى من يذكّرهم ببشاعة الحرب، فقد عاشوا فصولها بما يكفي. ما يحتاجونه اليوم هو من يقنعهم بأنّ الخطر الخارجي قادر، إن أُحسن التعامل معه، على أن يكون مدخلًا للوحدة لا سببًا جديدًا للانقسام.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لقاء الثلاثاء… هل يناقش الشرق الأوسط أم مستقبل الرجلين؟

على الرغم من أن جدول أعمال اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو يتضمن رسمياً ملفات إيران وغزة وسورية ولبنان ، إلا...

نظرة في ملف "محمود أحمدي نجاد"

أثارت تقارير صحفية، واستخباراتية إسرائيلية الكثير من اللغط حول الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وعن تجنيده لصالح الموساد الإسرائيلي أو محاولة تجنيده على اختلاف الروايات....

بداية الإصلاح... رؤية السقطات

في كل أزمة يمر بها وطن، وفي كل نكبة تصيب شعباً، يبرز سؤال واحد: من أين نبدأ الإصلاح؟ والجواب بسيط وعميق في آنٍ معاً: بدايةُ الإصلاحِ رؤيةُ السقطاتِ والأخطاءِ والثغراتِ، ثم...

لماذا لا تضرب إيران "إسرائيل"؟

أيا ما كان مصير مساعى الوسطاء فى باكستان وفى قطر ، فإن العودة للتفاوص الأمريكى الإيرانى ، لن تؤدى غالبا إلى وقف الحرب الجديدة الجارية على جبهة إيران ، ولا إلى تقليص ما جرى ويجرى...

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...