السبت، 13 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حين تتحول القوة إلى عبء: أمريكا ترامب

بين وهم المكاسب وحقيقة السقوط

قد تحقق السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب مكاسب سريعة تشبه الغنائم، لكنها مكاسب من ذلك النوع الذي يلمع لحظةً ويصدأ سريعًا. فالهجوم على فنزويلا، واعتقال رئيس دولة وزوجته ونقلهما خارج بلادهما، قد يُسوَّق داخليًا بوصفه إنجازًا أمنيًا أو استعراضًا للقوة، لكنه في الحقيقة إعلان إفلاس أخلاقي وسياسي، ودعوة مفتوحة لهدم ما تبقى من النظام الدولي.

ما حدث ليس مجرد “عملية” عسكرية، بل سابقة خطيرة: دولة كبرى تتصرف بمنطق الخطف، لا بمنطق القانون؛ وبأسلوب البلطجة، لا بأسلوب الدولة التي تتصدر مشهد الشرعية الدولية.

المفارقة الفجة أن هذا السلوك يصدر عن دولة تستضيف مقر الأمم المتحدة، وتقدّم نفسها حارسةً للنظام الدولي والقيم الديمقراطية. أي سخرية أكبر من أن تُدار الشرعية من نيويورك، بينما تُداس من واشنطن؟

قد يقول المدافعون إن السياسة لا تُدار بالأخلاق. صحيح. لكنها أيضًا لا تُدار بقصر النظر. فكل رئيس، وكل زعيم، وكل حاكم في العالم سيسأل نفسه بعد هذه الواقعة
سؤالًا واحدًا : هل أنا التالي؟ وعندما يصبح هذا السؤال هو القاعدة، لا الاستثناء، فإن الثقة تنهار، والتحالفات تتآكل، والدبلوماسية تتحول إلى مسرح رعب.

بهذا المنطق، لا تعود فنزويلا قضية بحد ذاتها، بل نموذجًا تحذيريًا. اليوم فنزويلا، وغدًا أي دولة لا ترضي المزاج الأمريكي.
هذه ليست عودة إلى حقبة الاستعمار التقليدي فقط، بل انحدار أشد خطورة: العودة إلى ما قبل الدولة، وما قبل القانون، وما قبل التنظيم الدولي—عالم تحكمه القبضة لا القواعد، والقوة لا الشرعية.

والأخطر أن هذا السلوك لا يدمّر صورة أمريكا وحدها، بل يهدم فكرة القانون الدولي نفسها. فما قيمة السيادة؟ وما معنى الانتخابات؟ وما جدوى المنظمات الدولية إذا كانت دولة واحدة قادرة على تجاوزها جميعًا ببيان عسكري أو تغريدة رئاسية؟

قد تربح واشنطن جولة في لعبة القوة، لكنها تخسر اللعبة الكبرى: لعبة السمعة، والشرعية، والقيادة الأخلاقية. وفي عالم مترابط، لا تُقاس الخسائر فقط بالدبابات والطائرات، بل بانهيار الثقة، وتآكل الردع المعنوي، واستعداد الآخرين للرد بالمثل.

السياسة الخارجية التي تُدار بعقلية “من يستطيع يفعل” لا تصنع عالمًا أكثر أمنًا، بل عالمًا أكثر توترًا، حيث يصبح الجميع في حالة دفاع دائم، وحيث لا أحد—مهما كان حليفًا أو صديقًا—بمنأى عن البلطجة.

وهكذا، وبينما تظن أمريكا أنها ترسل رسالة قوة، فإن العالم يقرأ رسالة أخرى تمامًا:

حين تسقط القيم، تصبح القوة عارية… ومخيفة، حتى لأصحابها.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...