السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حين تدعم بكين طهران… دون أن تُحارب معها

ليس كلُّ دعمٍ تحالفاً، وليس كلُّ تحالفٍ حرباً. في قلب المشهد المتفجّر في الشرق الأوسط، تتقدّم الصين بخطى ثابتة، لا بصخب الصواريخ، بل بهدوء المصالح. كثيرون يظنّون أنّ بكين تقف خلف إيران كحليفٍ عسكريٍّ مستعدٍّ للمواجهة، لكن الحقيقة أكثر برودةً… وأكثر دقّة.

الصين لا تُقاتل مع إيران، لكنها لا تتركها تسقط. هذا هو جوهر المعادلة.

تدرك بكين أنّ طهران ليست مجرّد دولة في نزاع، بل عقدة جيوسياسية في قلب شبكة الطاقة العالمية. النفط الإيراني، رغم العقوبات، يجد طريقه شرقاً، حيث تتحوّل براميله إلى شريانٍ يُغذّي الاقتصاد الصيني. هنا، يصبح الدعم الاقتصادي أداة نفوذ، لا عملاً تضامنياً. الصين لا “تنقذ” إيران، بل تستثمر في صمودها.

وفي السياسة، تلعب الصين دور الموازن لا المقاتل. في مواجهة الضغوط الغربية، تطرح خطاباً مختلفاً: رفض العقوبات، والدعوة إلى التهدئة، وفتح قنوات الوساطة. هي لا تصطفّ علناً ضد الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح لها بأن تنفرد بتحديد قواعد اللعبة.

أما عسكرياً، فالصمت الصيني ليس ضعفاً… بل قرار. الدخول في حربٍ مباشرة إلى جانب إيران يعني مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، وربما مع حلف شمال الأطلسي. وهذا ليس في مصلحة بكين التي تبني قوتها على التجارة، لا على الجبهات.

الصين تفهم ما لا يقوله كثيرون: الحروب الكبرى تُسقط الإمبراطوريات، بينما النفوذ الاقتصادي يُقيمها. لذلك، تختار أن تكون حاضرة في كلّ معادلة… دون أن تتحمّل كلفة الانفجار.

لكن الأخطر في هذا المشهد ليس ما تفعله الصين، بل ما تريده. بكين لا تسعى إلى انتصار إيران، ولا إلى هزيمة إسرائيل، بل إلى شيءٍ أعمق: استنزافٌ مُدار يُضعف خصمها الأكبر، أي الولايات المتحدة، دون أن يُشعل حرباً عالمية تخرج عن السيطرة. إنها لعبة الوقت، حيث كلّ يوم توترٍ محسوب يُعيد رسم ميزان القوى العالمي.

في المقابل، تبقى إسرائيل جزءاً من معادلة مختلفة، ترتبط عضوياً بالقرار الأميركي، فيما تتحوّل المنطقة بأكملها إلى ساحة اختبار لإرادات القوى الكبرى. وهنا، لا تعود الدول الصغيرة مجرّد متأثرة، بل تصبح مسرحاً.

الخلاصة ليست في إعلان حربٍ أو تجنّبها، بل في فهم ما يجري بين السطور:
الصين تدعم… نعم.
لكنها تدعم كي لا تُقاتل.
وتُوازن… كي لا تُجبر على الاختيار.

أما نحن في هذه المنطقة، فنقف على حافة معادلة لا نملك رسمها، لكننا سندفع ثمنها إن انفلتت.

والتحذير هنا لا بدّ منه…ليس أخطر ما في المرحلة احتمال الحرب الشاملة، بل استمرار هذا “التوازن المتوتّر” الذي يُراكم عوامل الانفجار بصمت… حتى لحظةٍ قد لا تُنذر بشيء، لكنها تغيّر كلّ شيء.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...