الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

حين تدعم بكين طهران… دون أن تُحارب معها

ليس كلُّ دعمٍ تحالفاً، وليس كلُّ تحالفٍ حرباً. في قلب المشهد المتفجّر في الشرق الأوسط، تتقدّم الصين بخطى ثابتة، لا بصخب الصواريخ، بل بهدوء المصالح. كثيرون يظنّون أنّ بكين تقف خلف إيران كحليفٍ عسكريٍّ مستعدٍّ للمواجهة، لكن الحقيقة أكثر برودةً… وأكثر دقّة.

الصين لا تُقاتل مع إيران، لكنها لا تتركها تسقط. هذا هو جوهر المعادلة.

تدرك بكين أنّ طهران ليست مجرّد دولة في نزاع، بل عقدة جيوسياسية في قلب شبكة الطاقة العالمية. النفط الإيراني، رغم العقوبات، يجد طريقه شرقاً، حيث تتحوّل براميله إلى شريانٍ يُغذّي الاقتصاد الصيني. هنا، يصبح الدعم الاقتصادي أداة نفوذ، لا عملاً تضامنياً. الصين لا “تنقذ” إيران، بل تستثمر في صمودها.

وفي السياسة، تلعب الصين دور الموازن لا المقاتل. في مواجهة الضغوط الغربية، تطرح خطاباً مختلفاً: رفض العقوبات، والدعوة إلى التهدئة، وفتح قنوات الوساطة. هي لا تصطفّ علناً ضد الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح لها بأن تنفرد بتحديد قواعد اللعبة.

أما عسكرياً، فالصمت الصيني ليس ضعفاً… بل قرار. الدخول في حربٍ مباشرة إلى جانب إيران يعني مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، وربما مع حلف شمال الأطلسي. وهذا ليس في مصلحة بكين التي تبني قوتها على التجارة، لا على الجبهات.

الصين تفهم ما لا يقوله كثيرون: الحروب الكبرى تُسقط الإمبراطوريات، بينما النفوذ الاقتصادي يُقيمها. لذلك، تختار أن تكون حاضرة في كلّ معادلة… دون أن تتحمّل كلفة الانفجار.

لكن الأخطر في هذا المشهد ليس ما تفعله الصين، بل ما تريده. بكين لا تسعى إلى انتصار إيران، ولا إلى هزيمة إسرائيل، بل إلى شيءٍ أعمق: استنزافٌ مُدار يُضعف خصمها الأكبر، أي الولايات المتحدة، دون أن يُشعل حرباً عالمية تخرج عن السيطرة. إنها لعبة الوقت، حيث كلّ يوم توترٍ محسوب يُعيد رسم ميزان القوى العالمي.

في المقابل، تبقى إسرائيل جزءاً من معادلة مختلفة، ترتبط عضوياً بالقرار الأميركي، فيما تتحوّل المنطقة بأكملها إلى ساحة اختبار لإرادات القوى الكبرى. وهنا، لا تعود الدول الصغيرة مجرّد متأثرة، بل تصبح مسرحاً.

الخلاصة ليست في إعلان حربٍ أو تجنّبها، بل في فهم ما يجري بين السطور:
الصين تدعم… نعم.
لكنها تدعم كي لا تُقاتل.
وتُوازن… كي لا تُجبر على الاختيار.

أما نحن في هذه المنطقة، فنقف على حافة معادلة لا نملك رسمها، لكننا سندفع ثمنها إن انفلتت.

والتحذير هنا لا بدّ منه…ليس أخطر ما في المرحلة احتمال الحرب الشاملة، بل استمرار هذا “التوازن المتوتّر” الذي يُراكم عوامل الانفجار بصمت… حتى لحظةٍ قد لا تُنذر بشيء، لكنها تغيّر كلّ شيء.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...