قال رجالُ الدِّين إنّ زيارةَ البابا تأتي دعماً للشباب لكي يبقَوا في أرضهم ولا يُهاجِروا، ولحثِّهم على الابتعاد عن الطائفيّة… لكنّ الطائفيّة نفسَها ما زالت تُعَشِّشُ في عقولِ الكثيرين ممّن يَعتلون المنابر ويُلقون المواعظ، قبل أن يُصلحوا بيوتَهُم الفكريّة التي تَتصدّع فوق رؤوس الناس كلّ يوم.
وسؤالي إلى رجالِ الدِّين، بكلِّ صراحةٍ ومسؤوليّة: لو اتّفقنا أنّ السياسيّين يعملون لمصالحِهم، فأنتم—وأنتم من تُمسكون بأفئدة الناس وعقولهم :تربويًّا وصحيًّا وروحيًّا—ماذا قدّمتم لشبابِ هذا الوطن؟ أليست الأقساطُ التي تَتَقاضَونها من أبرز أسبابِ هجرةِ جيلٍ كاملٍ إلى الخارج؟ ألا تَعلمون أنّ التعليمَ في دولٍ أخرى، إن لم يكن مجانيًّا، فهو أرخصُ بكثيرٍ من مدارسِكم وجامعاتِكم التي تحوّلت إلى مؤسّساتٍ تجاريّة تُنهك العائلات وتكسِر أعناقها؟
ثمّ لنتحدّث عن الطبابَة… ماذا قدّمتم فيها سوى المزيد من الألم؟ مستشفياتُكم التي تُرفَع فيها راياتُ الرحمة تُقفِل أبوابَها أمام مريضٍ لا يملك المال، وأطبّاؤُكم من الأغلى سعراً في العالم. يُدفَع المريضُ إلى الموت على أبوابِ مراكزكم، وكأنّ الحياة امتيازٌ لا يُمنَح إلّا لمن يدفع. أفليس الموتُ أحياناً أشرَفَ من عيشٍ ممزَّقٍ بين الألم والإذلال؟
وتملكونَ أراضيَ تمتدّ على مدِّ البصر؛ أوقافٌ تكاد تُشكِّل ثُلثَ لبنان. ومع ذلك نسأل: أين هي المشاريعُ الاقتصاديّةُ التي تُنشئونها لضمان بقاء شبابِنا في وطنهم؟ أين الاستثماراتُ الإنتاجيّة التي تُوفِّر لهم عملاً؟ أين المصانعُ الصغيرة، الحاضناتُ المهنيّة، المراكزُ الزراعيّة، المدنُ الحِرَفيّة، وكلّ ما يمكن أن يصنع أملاً حقيقيًّا؟ هل بُني مشروعٌ واحدٌ بأسعارِ الكلفة؟ هل وُضِعت مبادرةٌ واحدة تُسهِّل الدَّفع أو تُحفّز بقاءهم؟ أم تريدونهم أن يبقَوْا… لِيبقَوْا مُعدَمين؟
إنّ وجودَ البابا في لبنان اليوم فرصةٌ أخلاقيّة قبل أن تكون زيارةً روحيّة. فليُخاطِب قداستُه رجالَ الدِّين مباشرة، وليذكّرهم بأنّ الرحمة ليست خطبة، وأنّ المحبّة ليست شعاراً، وأنّ رسالة السيّد المسيح لم تُبنَ على التكديس ولا على الاحتكار، بل على التضحية وخدمة الضعفاء. فكيف يُطلَب من الشعب الصبر، فيما تُراكم مؤسّساتُكم ثرواتٍ تُثقِل كاهل الناس بدلاً من أن ترفع عنهم؟
أم تُريدون تَربِيَةَ أجيالِنا مُذلَّلين، ليبقَوْا تحت رؤوسِكم، تتحكّمون بمصائرهم وتُمسكون برقابهم، وكأنّ رسالتَكم هي صناعةُ الطاعة لا صناعةُ الإنسان
قبل أن تعظوا الشعب… أعظوا أنفسَكم.
قبل أن تطلبوا من الشباب البقاء… امنحوهم فرصةَ بقاء.
قبل أن تُعلِّموا الناس عن المسيح… عودوا إلى رسالتِه.
لعلّ هذه الكلمة تُهزّ الشعب اليوم… ولعلّها، ولو مرّة، تهزّ ضميرَ الرهبان…


