الثلاثاء، 9 يونيو 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

زيارةُ البابا… وضميرُ رجالِ الدِّين

قال رجالُ الدِّين إنّ زيارةَ البابا تأتي دعماً للشباب لكي يبقَوا في أرضهم ولا يُهاجِروا، ولحثِّهم على الابتعاد عن الطائفيّة… لكنّ الطائفيّة نفسَها ما زالت تُعَشِّشُ في عقولِ الكثيرين ممّن يَعتلون المنابر ويُلقون المواعظ، قبل أن يُصلحوا بيوتَهُم الفكريّة التي تَتصدّع فوق رؤوس الناس كلّ يوم.

وسؤالي إلى رجالِ الدِّين، بكلِّ صراحةٍ ومسؤوليّة: لو اتّفقنا أنّ السياسيّين يعملون لمصالحِهم، فأنتم—وأنتم من تُمسكون بأفئدة الناس وعقولهم :تربويًّا وصحيًّا وروحيًّا—ماذا قدّمتم لشبابِ هذا الوطن؟ أليست الأقساطُ التي تَتَقاضَونها من أبرز أسبابِ هجرةِ جيلٍ كاملٍ إلى الخارج؟ ألا تَعلمون أنّ التعليمَ في دولٍ أخرى، إن لم يكن مجانيًّا، فهو أرخصُ بكثيرٍ من مدارسِكم وجامعاتِكم التي تحوّلت إلى مؤسّساتٍ تجاريّة تُنهك العائلات وتكسِر أعناقها؟
ثمّ لنتحدّث عن الطبابَة… ماذا قدّمتم فيها سوى المزيد من الألم؟ مستشفياتُكم التي تُرفَع فيها راياتُ الرحمة تُقفِل أبوابَها أمام مريضٍ لا يملك المال، وأطبّاؤُكم من الأغلى سعراً في العالم. يُدفَع المريضُ إلى الموت على أبوابِ مراكزكم، وكأنّ الحياة امتيازٌ لا يُمنَح إلّا لمن يدفع. أفليس الموتُ أحياناً أشرَفَ من عيشٍ ممزَّقٍ بين الألم والإذلال؟

وتملكونَ أراضيَ تمتدّ على مدِّ البصر؛ أوقافٌ تكاد تُشكِّل ثُلثَ لبنان. ومع ذلك نسأل: أين هي المشاريعُ الاقتصاديّةُ التي تُنشئونها لضمان بقاء شبابِنا في وطنهم؟ أين الاستثماراتُ الإنتاجيّة التي تُوفِّر لهم عملاً؟ أين المصانعُ الصغيرة، الحاضناتُ المهنيّة، المراكزُ الزراعيّة، المدنُ الحِرَفيّة، وكلّ ما يمكن أن يصنع أملاً حقيقيًّا؟ هل بُني مشروعٌ واحدٌ بأسعارِ الكلفة؟ هل وُضِعت مبادرةٌ واحدة تُسهِّل الدَّفع أو تُحفّز بقاءهم؟ أم تريدونهم أن يبقَوْا… لِيبقَوْا مُعدَمين؟
إنّ وجودَ البابا في لبنان اليوم فرصةٌ أخلاقيّة قبل أن تكون زيارةً روحيّة. فليُخاطِب قداستُه رجالَ الدِّين مباشرة، وليذكّرهم بأنّ الرحمة ليست خطبة، وأنّ المحبّة ليست شعاراً، وأنّ رسالة السيّد المسيح لم تُبنَ على التكديس ولا على الاحتكار، بل على التضحية وخدمة الضعفاء. فكيف يُطلَب من الشعب الصبر، فيما تُراكم مؤسّساتُكم ثرواتٍ تُثقِل كاهل الناس بدلاً من أن ترفع عنهم؟
أم تُريدون تَربِيَةَ أجيالِنا مُذلَّلين، ليبقَوْا تحت رؤوسِكم، تتحكّمون بمصائرهم وتُمسكون برقابهم، وكأنّ رسالتَكم هي صناعةُ الطاعة لا صناعةُ الإنسان
قبل أن تعظوا الشعب… أعظوا أنفسَكم.
قبل أن تطلبوا من الشباب البقاء… امنحوهم فرصةَ بقاء.
قبل أن تُعلِّموا الناس عن المسيح… عودوا إلى رسالتِه.

لعلّ هذه الكلمة تُهزّ الشعب اليوم… ولعلّها، ولو مرّة، تهزّ ضميرَ الرهبان…

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...