الأحد، 30 أغسطس 2026
بيروت
29°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

سلسلة مقالات حزب الله بعد الحرب: «حزب الله» هل يكون الحل بحلّ الحزب؟

غالبًا ما يحصل أن يُستهدف الزعيم، فتسقط معه المنظومة، وربما الدولة. وليس ما حصل مؤخرًا في فنزويلا مع الرئيس نيقولاس مادورو إلا نموذجًا.
اعتقلت أميركا مادورو في أوقح عملية فيها كل الاعتداء على دولة ذات سيادة. تصرّف ترامب كراعي البقر الذي يطلق النار في كل اتجاه من مسدسيه، فأخضع دولة بكلها وكلكلها.
هذا ما لم يحصل مع المقاومة في لبنان، بالرغم من حجم الضربات التي تلقتها.
قتلت إسرائيل الأمين العام، وخليفة الأمين العام، وخليفة الخليفة، وقتلت قيادة أركان المقاومة: عقيل، شكر، كركي، ومعهم عشرات القادة.
أتى وقف النار في تشرين الثاني ٢٠٢٤، وبعده بأقل من شهر غادر بشار الأسد سوريا، وحل احمد الشرع مكانه ، ليشتد بذلك الخناق على المقاومة، التي فقدت برحيل بشار شريانها الحيوي الأهم وحبلها السري الواصل إلى طهران.
وليكتمل مشهد حصار المقاومة ، بعد أسبوعين من رحيل بشار تم انتخاب العماد جوزيف عون في لبنان، ومعه نواف سلام.
وعلى مدى خمسة عشر شهرًا، استباح العدو لبنان بأكمله تحت عنوان «حرية الحركة»، وترافق ذلك مع حصار داخلي تولاه مسؤولون في لبنان، من منع مساعدات الإعمار والترميم، إلى ما حصل مع الطيران الإيراني والرحلات العراقية، أضف إلى ذلك قرارات حكومية تخدم العدو الإسرائيلي. وكأن في خطاب قسم عون وبيان حكومة نواف سلام بند واحد ويطغى على كل ما عداه: «السلاح».
كل ذلك لم يثنِ المقاومة، بقيادة أمينها العام الشيخ نعيم قاسم، عن ترميم قدراتها واستعادة ألقها ومعه زمام المبادرة، فكانت صواريخ فجر الثاني من آذار مدوية، فأصابت مقتلًا في الأقربين قبل العدو.
صُعق الرؤساء في لبنان، فتداعوا على عجل وأعلنوا المقاومة خارجة عن القانون، في لحظة رعونة كشفت وجوههم وخضوعهم للعدو الإسرائيلي.
أمام كل ما تقدم، أعلنت المقاومة أن لا عودة إلى ما قبل الثاني من آذار، كما أعلنت إيران أن لبنان على رأس أولويات أي مبادرة، وأن نجاح أي مبادرة يقتضي وقف الحرب وانسحاب العدو إلى ما وراء الحدود.
ولكن، ماذا عن اليوم التالي لوقف الحرب وانسحاب العدو؟
هنا يبدأ السؤال الأصعب.
ما الذي حصل؟ وكيف حصل؟
لن تكون الإجابة عن هذين السؤالين سهلة، سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار غياب أغلب من يملكون الأجوبة.
وربما يكون عدم المعرفة أفضل وأرحم، لما سيترتب على المعرفة من تحمّل للمسؤوليات.
ولكن هل تستقيم الأمور وتسير وكأن شيئًا لم يكن؟
وماذا عن عشرة آلاف بطل ضحوا بأنفسهم دفاعاً عن الوطن ومواطنيه ؟
وماذا عن بلد دُمّر، وقرى تمت إبادتها؟
وماذا عن تنظيم تلقى من الضربات ما يكفي لطرح ألف سؤال عن السياسة والأمن والإعلام والإدارة والقيادة؟
إن نجاح الحزب في البقاء لا يعني أن يبقى الحزب كما كان.
وإذا كان الحزب قد نجح في النجاة من الحرب، فإن التحدي الأصعب هو ألا ينجو معه كل ما أوصل الحزب إلى ما وصل إليه.
فلا يجوز أن تُدفن الأسئلة مع الأبطال ، ولا أن تتحول التضحيات إلى ذريعة تمنع المحاسبة، ولا أن يكون الوفاء لمن رحلوا سببًا في حماية من أخطأوا وهم أحياء.
مما لا شك فيه أن المسؤولية يتحملها كل من كان في سدة المسؤولية، وبمعنى أدق: لا يجوز أن يبقى في موقع المسؤولية من وقعت الكوارث على عهده وكأن شيئًا لم يكن.
فالهمس أصبح له صدى بين جمهور المقاومة وأهلها وناسها، وما يُرتكب من «اخطاء » على لسان بعض ساسة وإعلاميي المقاومة لا يرتكبه مراهق في السياسة.
هذا إذا ما تغاضينا عن التنافس على المواقع بين وجوه أصبحت غير مرغوب فيها، وكأنها تعيش في كوكب آخر، والحياة فيه لونها زهري.
فهل يكون الحل بحلّ الحزب؟
ليس المقصود حل حزب الله وإنهاءه، ولا شطب تاريخه أو التخلي عن قضيته، بل ربما يكون المطلوب حلّ الصيغة التي استهلكت نفسها، لإعادة تأسيس الحزب بما يتناسب مع المرحلة المقبلة.
أن ينتهي حزب بتركيبته القديمة، ليولد حزب جديد من رحمه.
أن يتحول إلى تيار سياسي يقوده رجل استثنائي بكل المقاييس، رجل ربما لم يتسنَّ لسواه أن يقف شجاعة موقفه تحت النار.
فالشيخ نعيم قاسم تسلّم حزبًا مثخنًا بالجراح، فقد أمينه العام وقياداته وكثيرًا من كوادره، واستطاع أن يعيد لأشلائه الحياة، حتى فاجأ بإنجازاته في وقت قياسي كثيرين ممن اعتقدوا أن الحزب انتهى.
ومن استطاع ترميم القدرات تحت النار، قادر على قيادة إعادة صياغة الحزب بعد توقف النار.
وهنا قد تكون البداية من هيئة تأسيسية تعيد للحزب شبابه، وتراجع تجربته، وتحدد مكامن الخلل، وترسم ملامح غده بدم جديد.
أما المعادلة، فيجب أن تكون واضحة:
لا مواقع أبدية.
لا مسؤوليات أبدية.
ولا أسماء فوق المحاسبة.
بعد عشرات السنوات في المواقع نفسها، آن الأوان لتنحي طاقم من المسؤولين السياسيين والإعلاميين والتنظيميين، وإفساح المجال أمام جيل جديد.
ومن كان مخلصًا سيكمل إخلاصه ولو من خارج الموقع ودون ضجيج، أما من كان من رموز المصالح والفساد والهزيمة، فإن أول خدمة يمكن أن يقدمها للحزب هي أن يتنحى.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن حزب الله حزب ولّاد، وفيه كم هائل من الكفاءات والمخلصين، ولعل الكشاف والتعبئة من أهم روافده البشرية التي يمكن أن يخرج منها جيل المرحلة المقبلة.
كما لا يمكن تجاهل تجربة شخصيات من خارج الأطر الحزبية مثّلت الحزب في حكومات عديدة، أمثال الدكاترة طراد حمادة، وحمد حسن، ومصطفى بيرم، وعلي حمية، وركان ناصر الدين، الذين تركوا بصمات في عملهم الحكومي، وكانوا في كثير من الأحيان ألمع وأكثر حيوية من الوزراء المحازبين.
الحزب الذي استطاع أن يخرج من تحت الركام قادر على أن يخرج من عباءة الماضي.
فالمطلوب ليس دفن حزب الله، بل دفن أخطائه.
وليس حلّ المقاومة، بل حلّ كل ما استهلك نفسه داخلها.
وليس البحث عن حزب آخر، بل عن حزب الله آخر يولد من حزب الله نفسه.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

سلسلة مقالات حزب الله ما بعد الحرب: «الطائف كاملًا أو عقد اجتماعي جديد

جهد الثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل، في انتخابات بلدية بيروت العام الفائت، من أجل تحقيق المناصفة الطائفية في مجلس بلدية بيروت. وباعتراف الجميع، كان لهما الفضل في تمثيل جميع...

رد على مقالة النائب ملحم خلف

تنشر الشراع هذا الرد ولا تتبناه لليونيفل مهام أوسع حضرة النائب. . المؤسف أن لا يرى نائب حقوقي شعبي خدماتي – سابقًا- مهمة لقوات اليونيفل سوى تنظيم تنقلات بعض من ”...

الجولاني والخيارات المُرّة ما بين حلم السلطان أردوغان العثماني ونتنياهو ملك "إسرائيل" الكبرى هل يكون نظام الأسد هو الحل؟

لا تتوقف أطماع تركيا في سورية عند لواء إسكندرون الذي ضُمّ إلى تركيا عام ١٩٣٩، كما لا تتوقف الأطماع الإسرائيلية عند الجولان الذي احتلته “إسرائيل” عام ١٩٦٧. بين الأطماع...

الكهرباء في لبنان: أنارتها الخلافة وأطفأتها السلطة

📰الخبر: التصريحات المتضاربة بين وزير الطاقة الحالي جو الصدّي ووزراء الطاقة السابقين، ولا سيما من حقبة التيار العوني. 🎙️التعليق: التصريحات المتضاربة بين وزير الطاقة الحالي جو...

سلسلة مقالات حزب الله ما بعد الحرب: «السلاح» الدفاع واجب وطني... والموت ليس واجبًا شيعيًا

أن تقاتل وتحرر أرضًا، فتلك سُنّة من أراد العزة. أن تقاتل وتحرر، ثم تستعفف في الحكم، ففي الأمر شبهة. أما أن تُقتل وتُقتل ثم تُقتل، ويأتي أخسّ الناس وأكثرهم ذلة وعمالة ليطعنك في...

نجميات

العمل الفني الأبداعي : هو الذي يجعل المشاعر والاحاسيس قابلة للرؤية : ** الكتاب الذي لا يحمل التحدي ، والاستفزاز ، بما يحملهُ من الجديد الذي يشدك ، قد لا يُضيف لك شيئ : ** الموسيقى...