لم يكن الاحتلال يومًا غايةً بحدّ ذاته، بل وسيلةً لإعادة تشكيل الجغرافيا والوعي والهوية بما يخدم مصالح القوى المهيمنة. وحين تعجز القوة العسكرية عن إخضاع الشعوب، تنتقل المعركة إلى ميدان الإنسان، فتُستثار العصبيات، وتُبعث الهويات الضيقة، ليصبح الوطن ساحة صراع بين أبنائه بدل أن يكون جبهةً موحّدة في مواجهة المعتدي.
ومن هنا، فإن أخطر ما يواجهه لبنان ليس العدوان العسكري أو الحصار الاقتصادي فحسب، بل خطر الفتنة الداخلية؛ لأنها السلاح الذي إذا نجح في اختراق المجتمع، أسقط الدولة من داخلها، وحقق للعدو ما عجزت عنه الحروب.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات المتماسكة عصيّة على الكسر، بينما تتحول المجتمعات المنقسمة إلى بيئاتٍ منهكة تستهلك قواها في صراعاتها الداخلية، فتتراجع القضايا الوطنية الكبرى. ولذلك كانت الانقسامات الطائفية والمذهبية، عبر تاريخ لبنان، من أبرز الثغرات التي نفذت منها التدخلات الخارجية سياسيًا وإعلاميًا واقتصاديًا ونفسيًا.
والفتنة لا تبدأ بالرصاص، بل بالكلمة المحرّضة، والشائعة الموجَّهة، والخطاب الذي يحوّل الشريك في الوطن إلى خصم، ثم إلى عدو. إنها حربٌ على الوعي قبل أن تكون حربًا على الأرض، تُقنع الإنسان بأن خصمه الحقيقي هو أخوه، بينما يغيب عنه مصدر الخطر الخارجي.
غير أن المسؤولية لا تقع على الخارج وحده؛ فالأمم لا تُخترق إلا من ثغراتها. وعندما تتحول الطائفية إلى وسيلة للمكاسب السياسية، ويُستثمر الخوف المتبادل لترسيخ النفوذ، يصبح الداخل شريكًا في صناعة الانقسام.
إن حماية لبنان لا تكون بإلغاء تنوعه، بل بتحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة وتكامل. فالوطن ليس مجموع الطوائف، وإنما الإطار الذي يحتضن الجميع، والدولة ليست غلبة فريق على آخر، بل ميزان العدالة الذي يستظل به جميع المواطنين.
ومن أعظم ما ميّز التجربة اللبنانية أن المرجعيات الدينية الأصيلة لم تجعل الدين أداةً للصراع، بل حصنًا للوحدة الوطنية. فقد حمل الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين راية التقارب الإسلامي والوطني، وأرسى الإمام السيد محسن الأمين مدرسةً إصلاحية جمعت بين الإيمان والعقل والانفتاح، فيما جعل الإمام السيد موسى الصدر العيش المشترك مشروعًا وطنيًا ورسالةً حضارية. وسار على هذا النهج العلّامة السيد محمد حسين فضل الله بدعوته إلى الحوار ونبذ التعصب، والإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين برؤيته للدولة الوطنية والشراكة بين اللبنانيين.
كما أسهمت المرجعيات الروحية اللبنانية بمختلف انتماءاتها في ترسيخ هذا النهج، فكان البطريرك إلياس الحويك من مؤسسي فكرة لبنان الكبير، وكان مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد شهيدًا للوحدة الوطنية، فيما جسّد شيخ عقل الموحدين الدروز الشيخ محمد أبو شقرا نموذج الحكمة والدعوة إلى السلم الأهلي. لقد اختلفت العمائم، لكنها اجتمعت على قدسية الإنسان، ووحدة الوطن، وحرمة الدم اللبناني.
ومن هنا، فإن الواجب الوطني والديني والأخلاقي يقتضي رفض كل خطاب يؤجج الكراهية، وكل إعلام يزرع الأحقاد، وكل سياسة تستثمر في الانقسام. فالمقاومة اليوم لا تقتصر على حماية الحدود، بل تشمل حماية الوعي، وصيانة الكلمة، وتجفيف منابع التحريض، لأن الكلمة قد تكون أخطر من الرصاصة، والشائعة قد تهدم ما تعجز عنه الجيوش.
ولقد أثبتت التجارب أن الأوطان التي تمتلك مناعةً أخلاقية وثقافةً وطنية راسخة تتجاوز الأزمات مهما اشتدت، بينما تتهاوى المجتمعات التي تجعل انتماءاتها الفرعية بديلًا عن الانتماء الوطني الجامع.
ويختصر الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام فلسفة العلاقة الإنسانية بقوله: “الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق.” ولو تحولت هذه الحكمة إلى ثقافة عامة في التربية والإعلام والسياسة، لما وجدت الفتنة إلى مجتمعنا سبيلًا.
إن مستقبل لبنان لا يُبنى بالتحريض ولا بإحياء خطوط التماس، وإنما ببناء وعيٍ وطني يرى في الإنسان اللبناني شريكًا في المصير، مهما اختلف مذهبه أو طائفته أو انتماؤه السياسي. فالأوطان لا يحميها توازن الخوف، بل توازن الثقة، ولا تبنيها التسويات المؤقتة، بل تبنيها العدالة والمواطنة وقيم العيش المشترك. والمعركة الحقيقية ليست بين طائفة وأخرى، وإنما بين مشروعين: مشروع يؤمن بلبنان وطنًا لجميع أبنائه، ومشروع يعمل على تحويله إلى ساحة صراعات تخدم مصالح الخارج.
وسيظل لبنان عصيًّا على مشاريع التفكيك ما دام يحمل إرث رجالاته الكبار من العلماء والمرجعيات الوطنية الذين جعلوا الدين رسالة رحمة، والوطن أمانة، والإنسان غاية الشرائع والحضارات. فحماية لبنان تبدأ بحماية الإنسان، وحماية الإنسان تبدأ بحماية وعيه، وحماية الوعي تبدأ بإسقاط الفتنة قبل أن تسقط الوطن.


