عاد من جدل الحرف كلمةً، وزيّنها بأناقته، لتصبح لوحةً تحفةً تنطق جمالًا وحنينًا، وغذاءً لروح عاشقٍ وربما مفارق.
عاد من الشعر لغةَ مخاطبةِ الآخر همسًا ونَفَسًا، أو حتى إيماءً؛ فكلمات السحر والأدب مجبولةٌ بجنونه الصامت.
أمس، في حضرة رحيل العائد إلى رحمة ربه ، اجتمع تحت قبة دار الطائفة الدرزية كلُّ الوطن، من أقصى الشمال إلى البقاع، بكلّه الشمال والغرب وصولًا إلى الجنوب، وطبعًا بيروت، أميرة المير.
أمس رسم الأمير طارق، بمحبيه، روحَ وطنٍ أحبه، فكانت ثروته الطائفية ممثَّلةً بجلِّها.
في عزائه الهادئ، كصورة وجهٍ بلا صخب، أنيقًا على شاكلة قصائده.
رثاه بقاعيٌّ بقصيدة،
وأتمّ الرثاء بيروتيٌّ بدمعةٍ في طيّاتها عمرٌ من الوفاء والحب.
هناك تشعر براحة النفس؛ فالضيوف أحبة، وأهل عزاء، وليس للمجاملات مكان. ففطرة الحب كانت الأقوى والأبهى.
عاد الأمير طارق إلى خالقه بنفسٍ مطمئنة، باسمة، مستبشرة.
وقبل عودته، كان لي شرف معرفته، وكنتُ آخر أصدقائه.
غادرنا دون الوفاء لي بوعده ، وأنا الطامع منه بقصيدةٍ أو كلمة، ويكفيني حرفٌ لو شاء.
غادرنا على عَجَل، وفي عتمة ليل، كي لا يؤرقنا رحيله؛ وكيف لا، وهو بلسمٌ لعارفيه.
رحل، ومعه كل الخجل، وبياض القلب، وأنين الروح.
وقبل رحيله، أبى إلا أن ينعى نفسه، فرسم قصيدة الرحيل:
ع قدّ ما حكيو حلو،
وع قدّ ما كانت بتلبقلو الحياة،
لو جيت هلق تسألو،
بيعرفش إنو مات.
وشو الموت؟ غلطة نوم،
ولعبة زمن غدّار، إيدو جارحة.
بيقرو عليك الفاتحة،
بيكون عمرو اليوم،
بيصير عمرو مبارحة.
كلّ الرحمة لروحك يا أمير،
ولنا لقاء، مهما طال، فإنه قريب.


