الخميس، 6 أغسطس 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

عقدة جبل عامل في المفهوم الصهيوني... لماذا ينتقم العدو الإسرائيلي من قرى وبلدات جبل عامل؟

كلما امتدت يد العدوان الإسرائيلي إلى قرى جبل عامل، عاد السؤال يفرض نفسه بإلحاح: ما الذي يجعل هذه البقعة الصغيرة من لبنان تستأثر بهذا القدر من الحقد، وتتكرر في خرائط الاستهداف جيلاً بعد جيل؟ وهل يرتبط الأمر باعتبارات عسكرية آنية، أم أن جذور المسألة تمتد إلى ما هو أبعد من ميدان الحرب، لتلامس بنية التفكير الصهيوني ونظرته إلى هذه الأرض وأهلها؟

يحمل جبل عامل في الوعي الإسرائيلي حضورًا يتجاوز حدوده الجغرافية؛ فقد ترسخت صورته بوصفه فضاءً عصيًا على الإخضاع، ومجتمعًا يتوارث روح المقاومة كما يتوارث الانتماء إلى الأرض. ولهذا بقي حاضرًا في الحسابات الأمنية والسياسية منذ نشأة الكيان، وتحول إلى هاجس دائم في أدبيات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

غير أن جبل عامل لم يكتسب مكانته من موقعه الحدودي فحسب، وإنما من تاريخه الذي سبق قيام المشروع الصهيوني بقرون طويلة. فهذه الأرض من أعرق بقاع المشرق، تعاقبت عليها الحضارات الكنعانية والفينيقية والإسلامية، ولا تزال مدنها وقلاعها ومواقعها الأثرية تحكي قصة أمة صنعت تاريخها بالحجارة كما صنعته بالرجال.

وفي ربوعه قامت مدن عريقة مثل صور، إحدى أقدم مدن العالم، وانبثقت من قراه مراكز علمية تركت أثرها في النهضة الإسلامية. وما زالت المساجد القديمة، والمقامات، والمدارس الدينية، والبيوت التراثية، والقلاع التاريخية، تشهد على عمق حضارته، وتؤكد أن هذه الأرض لم تكن يومًا هامشًا في حركة التاريخ، بل كانت من روافده الأصيلة.

ومنذ القرون الأولى للإسلام، أخذ جبل عامل مكانه بين أهم الحواضر العلمية، فتوافد إليه طلاب المعرفة، وخرجت منه قوافل العلماء إلى مختلف الأمصار. وعلى أرضه نشأت مدرسة علمية متميزة، أنجبت فقهاء ومحدثين ومفسرين وأدباء كان لهم أثر بالغ في بناء التراث الإسلامي، وفي مقدمتهم الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي، والشهيد الثاني زين الدين الجبعي العاملي، والشيخ البهائي، والحر العاملي، والمحقق الكركي والمَيسي وغيرهم من الأعلام الذين امتد إشعاعهم إلى النجف وأصفهان وسائر المراكز العلمية.

وكان العلم في جبل عامل مقرونًا بالتقوى، فلا قيمة لمعرفة لا تهذب النفس، ولا منزلة لعلم لا يقود إلى خشية الله. ولهذا عُرف علماؤه بالورع والزهد، وعُرفت قراه بحفظ الشعائر، وإكرام العلماء، وصيانة القيم، حتى أصبحت التقوى جزءًا من الشخصية العاملية، كما أصبح الدفاع عن الأرض امتدادًا للدفاع عن الدين والكرامة والإنسان.

هذا الإرث الحضاري والديني هو الذي منح المجتمع العاملي قدرة استثنائية على الصمود. فالإنسان الذي ينتمي إلى تاريخ عريق، ويستند إلى منظومة قيم راسخة، لا تهزه العواصف بسهولة، ولا تقتلع جذوره آلة الحرب مهما بلغت قوتها. ومن هنا ظل جبل عامل عصيًا على مشاريع الإخضاع، لأن قوته كانت كامنة في وعي أبنائه قبل أن تكون في إمكاناتهم.

ومن يقرأ العقل الأمني الإسرائيلي يدرك أن المواجهة مع جبل عامل لم تُختزل في الحسابات العسكرية، وإنما ارتبطت بالخوف من بيئة تحفظ ذاكرتها، وتورث أبناءها ثقافة الصمود، وترفض أن تنفصل عن تاريخها وعقيدتها. ولهذا اتجه العدوان مرارًا إلى استهداف القرى والبلدات والبنية المدنية، في محاولة لإضعاف إرادة الناس، وكسر الرابط الذي يجمع الإنسان بأرضه.

إلا أن ما جرى عبر العقود أثبت أن الركام لم ينجح في طمس الهوية، وأن البيوت المهدمة كانت تعود إلى الحياة، كما تعود السنابل إلى الحقول بعد الشتاء. وكان كل عدوان يرسخ في الوجدان العاملي حقيقةً مفادها أن الأرض التي حفظت تراث الأنبياء والعلماء، واحتضنت مسيرة المجاهدين والشهداء، لا يمكن أن تستسلم لإرادة المحتل.

وهكذا بقي جبل عامل حاضرًا في معادلة الصراع، لا حدودًا جغرافيةً فحسب، بل ذاكرةً حضارية، ومدرسةً علمية، ومنارةً للإيمان، ورمزًا لإنسانٍ جمع بين المعرفة والتقوى، وبين الانتماء إلى الأرض والاستعداد للتضحية في سبيلها. ومن هنا يمكن فهم سرّ الحقد الذي يكنّه المشروع الصهيوني لهذه البقعة المباركة؛ إذ إن الأمم التي تصنع تاريخها بالعلم، وتحفظ هويتها بالإيمان، وتبني مستقبلها على الكرامة، تبقى عصيّةً على الانكسار، مهما تعاظمت قوى العدوان.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

وجهتا نظر فلسطينية حول حماس و غزة والسلاح

تناقلت وسائل إعلامٍ إسرائيلية خبراً يفيد بأن مجلس السلام بصدد القيام بعمليةٍ تسهّل التخلص من سلاح حماس، وذلك بشرائه. ولم يحدد السعر لكل مسدسٍ أو بندقية، ولكن قيل إنه سيكون مرتفعاً...

وجهتا نظر فلسطينية حول حماس و غزة والسلاح

اثار مقال الشراع الذي نشرناه بعد إعلان بدء تنفيذ اتفاق ايار بلسان دونالد ترامب وجعلنا عنوانه “قرار حماس ضربة معلم “، اهتماماً فلسطينياًكبيرا ، خصوصاً بعد ان حاول...

انفجار ٤ آب... جريمة العصر وأين المحاسبة؟

مرت سنوات والغبار بعد ما نزل. والوجع بعدو بكل بيت ببيروت. انفجار مرفأ بيروت ليس حادثاً. إنه جريمة موصوفة. ما الذي حصل؟ 2750 طن من نيترات الأمونيوم. مخزنة بقلب العاصمة، بقلب...

الشيعة والدولة في لبنان: مسار الانخراط والخيبات.

مقالة الأستاذ حسن صبرا، المنشورة في مجلة الشراع٦ بعنوان “حسن صبرا والجيش”، ليست تفصيلاً بيوغرافيًا بسيطًا، لأنها تختزن تجربة جيلٍ كاملٍ عاشها أكثرنا منذ ستينيات القرن الماضي. وهي،...

جورج حبش في مئويته

همومنا كثيرةٌ وثقيلة، غير أنها لا تُشغلنا عن استذكار رجالٍ ونساء، أسسوا الحركة الوطنية الفلسطينية، منذ بداية القضية في أوائل القرن الماضي، وما زال فعلهم هو المرشد القوي والأمين...

٤ آب… ثِقْلُ زمنٍ لا يمرّ

ستّ سنوات على جريمة مرفأ بيروت. ستّ سنوات والحقيقة لم تظهر كاملة، والعدالة لم تتحقّق، وعائلات الضحايا تعيش الفقد كلّ يوم، فيما يحمل المصابون آثار الجريمة في أجسادهم وأرواحهم. هذه...