الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
18°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لبنان في زمن القواعد الجديدة: كيف ننجو في عالم لا يرحم التحدّي ؟

كارولين ياغي

لم يعد خافيًا أنّ النظام العالمي يُعاد تشكيله اليوم وفق منطق القوة لا منطق القيم. الولايات المتحدة وإسرائيل تؤثّران بعمق في مسار القرار الدولي، لا عبر حكم مباشر، بل من خلال تكريس قواعد جديدة للعبة السياسية: من يستوعبها ينجو، ومن يتجاهلها أو يصطدم بها يدفع الثمن.

نحن أمام مرحلة شديدة الحساسية، تتقدّم فيها المصالح على المبادئ، وتُدار النزاعات ببرودة حسابية، فيما تُترك الدول الهشّة لتتحمّل الخسائر الأكبر. وفي صلب هذا المشهد يقف لبنان: بلد صغير بإمكاناته، مثقل بأزماته، وأكثر عرضة للاهتزاز إن أخطأ تقدير اللحظة.

المقبل لا يحتمل المغامرة. لا مجال لخطابات التحدّي ولا لرهانات غير محسوبة. ما كان ممكنًا بالأمس صار اليوم عبئًا، وما كان يُدار بتوازن هشّ بات يحتاج إلى أعلى درجات الدقّة والوعي. والعدو، الذي يراقب أي ضعف أو انقسام، لا يتردّد في استثمار أي شرخ داخلي أو خلل وطني.

الخطر الحقيقي يبدأ من الداخل قبل الخارج. انقسام اللبنانيين، وتحوّل الخلافات السياسية إلى صدامات مفتوحة، وتحدّي بعضهم البعض، جميعها عناصر تُغري التدخّل الخارجي وتُسهّل التعامل مع لبنان كساحة صراع لا كدولة. في زمن القواعد الجديدة، الدول التي تُهمل جبهتها الداخلية تصبح مكشوفة مهما رفعت من شعارات.

يزيد المشهد تعقيدًا تراجع الدور العربي كشبكة أمان. الخلافات بين دول محورية مثل السعودية والإمارات، وتباين الأولويات والرؤى، تعكس واقعًا عربيًا متشظّيًا لم يعد لبنان قادرًا على الاتكاء عليه كما في السابق. هذا التفكك الإقليمي يضيّق هامش المناورة، ويجعل أي خطأ أكثر كلفة من أي وقت مضى.

لبنان اليوم بحاجة إلى نهج مختلف. ليس المطلوب التخلّي عن الثوابت، بل إدارتها بعقل الدولة لا بعقل المواجهة. المطلوب قراءة دقيقة لقوانين اللعبة الدولية والتعامل معها بذكاء، لا إنكارها أو الاصطدام بها. فالسيادة في عالم اليوم لا تُصان بالصدام وحده، بل بالحكمة، ووحدة الموقف، وإقفال كل الذرائع أمام التدخّل.

إنها لحظة مفصلية: إمّا أن يختار اللبنانيون الحدّ الأدنى من التماسك الوطني ويضعوا أيديهم معًا، أو يتركوا بلدهم مكشوفًا أمام رياح صراعات تفوق قدرته على الاحتمال. في عالم تحكمه المصالح والقوة، النجاة ليست لمن يرفع صوته أكثر، بل لمن يعرف متى يتقدّم، ومتى يحمي نفسه بهدوء.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

كيف تعرف الجريمة الخليجية بحق الوطن العربي؟..انظر فقط إلى دونالد ترامب..

ترامب في مأزق..لأن الحرب الإيرانية طالت لشهرين؟..لا..لأنه لا يجد إجابة عسكرية على السؤال الأهم؟..وهو..كيف تحصل أميركا على المخزون النووي الإيراني؟..القوة العسكرية الأميركية...

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...