في لحظةٍ مشؤومةٍ من تاريخ الإعلام اللّبناني، تجرّأ المبعوث الأميركي السّابق توم بارّاك على تشبيه الصّحافيين اللّبنانيين بالحيوانات. لم تكن مجرّد زلّة لسان، بل كانت إعلانًا وقحًا عن نظرةٍ استعلائيةٍ تعتبر لبنان بأرضه وشعبه ومؤسّساته مجرّد مزرعةٍ تديرها الإدارة الأميركية كيفما تشاء.
لكنّ الفضيحة لم تكن في كلامه وحده. الفضيحة الحقيقية كانت في الصّمت المدوّي للصّحافيين الّذين قُدّمت لهم الإهانة على الهواء مباشرةً، لم يردّ أحد بكرامة، وعدا بيان نقابة المحررين الشجاعة ،لم يُسمع صوت احتجاجٍ جماعيٍّ، لم تتحرّك نقابةٌ أو مؤسّسةٌ إعلاميّةٌ لوقف هذه الإهانة أو لمقاطعة الرّجل.
لقد مرّ التّشبيه المهين وكأنّه كلامٌ عابر، بينما هو في الحقيقة طعنةٌ في شرف المهنة وكرامة الوطن. ألصّحافي الّذي يرضى أن يُهان ويصمت، لا يعود سلطةً رابعة، بل يتحوّل إلى موظّفٍ صغيرٍ في بلاط المتنفّذ الأجنبي.
ألإعلام في لبنان، إلا من رحم ربك، غرق بين التّمويل السّياسي والارتهان للخارج. تجرّد من دوره الرّقابي والتّحرّري، واكتفى بتلميع الفاسدين أو تمرير الرّسائل. ولذلك لم يكن غريبًا أن يصمت أمام من شبّههم بالحيوانات، وكأنّهم فقدوا القدرة على الدّفاع عن أنفسهم وعن كرامتهم.
أيّها الصّحافيون، أنتم مرآة المجتمع وصوت النّاس. حين تصمتون أمام الإهانة، تسقط عنكم صفة السّلطة الرّابعة، وتصبحون مجرّد أدواتٍ في يد السّلطة الأولى والأخيرة سلطة المال والسّياسة أو بالأحرى سلطة “البلاليع “…
إنّ إهانة توم بارّاك لم تكن للصّحافة وحدها، بل للبنان كلّه، والصّمت عنها جريمةٌ مضاعفة. فهل كتب التّاريخ أنّ شعبًا حُرًّا قبل أن يُنعت إعلامه بالحيوانات دون ردّ؟
أين كرامة السّياسيين من رؤساء إلى نواب ووزراء وإلى الشّعب بكامله … هل هكذا أصبح الشّعب اللّبناني ليقبل الاهانة ؟؟؟؟


