الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

سلوى فاضل

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون فوق مساحة لا تتجاوز 365 كيلومترًا مربعًا، وهناك مجتمع لبناني متنوع يعيش في بلد تتعدد فيه الطوائف والانتماءات والمناطق.
لكن الحرب لا تنظر إلى الخرائط بالطريقة نفسها التي ينظر إليها الجغرافيون. الحرب تختصر المسافات، وتضع أناسًا لا يعرف بعضهم بعضًا أمام المشهد نفسه: بيت يُهدم، عائلة تُهجّر، أم تحمل أطفالها بعيدًا عن الخطر، ورجل يحتفظ بمفتاح منزله على أمل أن يعود إليه ذات يوم.
من هنا تبدأ أوجه الشبه بين غزة والجنوب اللبناني، ومن هنا أيضًا تبدأ الاختلافات.
غزة صغيرة إلى حدّ يجعل الدمار فيها أكثر قسوة. فمساحتها لا تتجاوز 365 كيلومترًا مربعًا، وهي من أكثر المناطق اكتظاظًا بالسكان في العالم. يعيش فيها أكثر من مليوني إنسان، غالبيتهم الساحقة من الفلسطينيين المسلمين السنّة، إلى جانب أقلية مسيحية صغيرة جدًا.
أما الجنوب اللبناني، فإذا أخذناه بمعناه الواسع، أي محافظتي الجنوب والنبطية، فتقارب مساحته ألفي كيلومتر مربع، أي أكثر من خمسة أضعاف مساحة غزة. وهو ليس مجتمعًا أحادي التركيبة؛ بل جزء من لبنان المتعدد الطوائف، مع غلبة واضحة للطائفة الشيعية في مناطق واسعة من محافظتي الجنوب والنبطية، إلى جانب حضور مسيحي وسنّي ودرزي في بلدات ومناطق مختلفة.
*لكن الأرقام وحدها لا تقول كل شيء.*
في غزة، لا يحتاج الإنسان إلى أن يبتعد كثيرًا كي يرى آثار الحرب. فالمساحة الصغيرة التي كانت تضم البيت والمدرسة والمستشفى والسوق والمسجد والكنيسة، أصبحت في أجزاء واسعة منها مساحة من الركام. ووفق أحدث تقييم بالأقمار الصناعية نشرته الأمم المتحدة، تضررت حتى 16 حزيران 2026 نحو 201,290 منشأة، أي قرابة 82 في المئة من مجموع المنشآت في القطاع، بينها أكثر من 134 ألف منشأة مصنفة مدمرة.
*وراء كل رقم حكاية*
المنزل الذي يُسجَّل في الإحصاءات باعتباره «منشأة مدمرة» قد يكون المكان الذي وُلد فيه طفل، أو عاشت فيه عائلة أجيالًا، أو احتفظت فيه امرأة بصور أبنائها وملابسهم وذكريات عمر كامل. والمدرسة المتضررة ليست مجرد بناء؛ هي مقاعد ودفاتر ووجوه أطفال وأحلام معلقة على جدرانها.
لذلك فإن حجم الدمار في غزة لا يُقاس بعدد الأبنية وحده. لقد طال النسيج العمراني والحياة اليومية نفسها: المساكن والمدارس والمستشفيات والطرق وشبكات المياه والصرف الصحي ومصادر الرزق. وحتى الركام تحوّل إلى شاهد على حجم المأساة، بعدما قدرت الأمم المتحدة كمياته بعشرات ملايين الأطنان.
في الجنوب اللبناني، الصورة مختلفة في الحجم، لكنها ليست أقل قسوة بالنسبة إلى من عاشها.
لم يشمل الدمار الجنوب كله بالدرجة نفسها، لكنه كان شديدًا في البلدات والقرى التي تعرضت للقصف، ولا سيما القريبة من الحدود. تضررت منازل، وتوقفت أعمال، وأصيبت بنى تحتية، وتعرضت مساحات زراعية واسعة للأضرار. ووفق تقديرات البنك الدولي، استحوذت محافظة الجنوب وحدها على نحو 23 في المئة من إجمالي الأضرار المباشرة التي لحقت بلبنان نتيجة الحرب. وعلى مستوى لبنان كله، قُدرت الأضرار المباشرة بنحو 10 مليارات دولار، فيما تضررت نحو 269 ألف وحدة سكنية.
لكن الإنسان الذي يقف أمام منزل مهدّم لا يسأل عن النسبة المئوية.
هو يسأل عن غرفة أطفاله. عن شجرة الزيتون أمام البيت. عن صور العائلة. عن الثياب التي تركها على عجل. عن موعد العودة.
وهنا تبدو صورة النازح واحدة تقريبًا في المكانين.
في غزة، عاش مئات آلاف الفلسطينيين تجربة النزوح مرارًا. حملوا ما استطاعوا حمله، وتركوا خلفهم بيوتًا ربما لن يجدوا لها أثرًا عند العودة. وفي أحيان كثيرة، لم يكن النزوح انتقالًا من منطقة خطرة إلى منطقة آمنة تمامًا، بل انتقالًا من خطر إلى خطر آخر.
وفي جنوب لبنان، نزحت عشرات الآلاف من العائلات من القرى الحدودية إلى مناطق أكثر أمنًا، تاركة خلفها منازلها وأرزاقها وأراضيها. بعض هؤلاء عاد بعد توقف العمليات الواسعة، وبعضهم وجد أن العودة ليست ببساطة فتح باب المنزل، بل بداية رحلة طويلة لإعادة بناء ما تهدم.
ومع ذلك، يبقى هناك اختلاف أساسي بين التجربتين.
سكان غزة يعيشون في منطقة محاصرة جغرافيًا، والخروج منها إلى الخارج ليس خيارًا مفتوحًا أمامهم بالطريقة التي كانت متاحة للنازحين اللبنانيين، الذين استطاعوا الانتقال إلى صيدا وبيروت والبقاع ومناطق لبنانية أخرى. الجنوب اللبناني، في المقابل، جزء من دولة لبنان، وله مؤسسات الدولة اللبنانية، وإن كانت قدرة الدولة على حماية الحدود وإدارة الحرب والسلام مسألة سياسية وأمنية معقدة.
وهناك اختلاف آخر لا يقل أهمية: طبيعة المجتمع نفسه.
غزة مجتمع فلسطيني يعيش منذ عقود تحت الاحتلال والحصار والانقسام السياسي، بينما الجنوب اللبناني جزء من مجتمع لبناني أوسع، له امتداداته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مختلف المناطق اللبنانية.
ومع ذلك، ثمة مشهد لا يحتاج إلى إحصاء.
طفل في غزة يقف أمام المكان الذي كان بيته، ويحاول أن يتخيل أين كانت غرفته.
وعائلة في الجنوب اللبناني تعود إلى قريتها، فتجد منزلها مصابًا، أو حقلها متضررًا، أو الطريق المؤدي إلى بيتها قد تغيرت ملامحه.
في الحالتين، الحرب لا تدمّر الحجر فقط. إنها تقتحم الذاكرة.
لهذا، ربما لا تكون المقارنة العادلة بين غزة والجنوب اللبناني سؤالًا عن «من دُمّر أكثر». فغزة، بسبب صغر مساحتها وكثافتها السكانية، شهدت دمارًا أكثر شمولًا نسبة إلى مساحتها وعدد سكانها. أما الجنوب اللبناني، فكان الدمار فيه أكثر تفاوتًا، وتركز بصورة خاصة في البلدات والمناطق الحدودية، إضافة إلى الأراضي الزراعية والبنية الاقتصادية.
لكن وراء كل ذلك، ثمة حقيقة إنسانية واحدة.
البيت ليس جدرانًا فقط. هو مكان يعرف فيه الطفل زاوية سريره، وتحفظ فيه الأم صور أبنائها، ويعرف الأب شجرة زرعها بيده، وتبقى في أحد أدراجه رسالة قديمة لا قيمة لها في نظر الأرقام، لكنها تساوي عمرًا كاملًا لصاحبها.
لهذا، حين نقارن غزة بالجنوب اللبناني، ربما لا يكون السؤال الأهم: أيهما دُمّر أكثر؟
السؤال الأهم هو: كيف يعود الإنسان إلى أرض حاولت الحرب أن تجعله غريبًا عنها؟
ففي النهاية، قد يُعاد بناء المنزل، وتُفتح المدرسة، ويُعبّد الطريق، وتُزرع الأرض من جديد. لكن أصعب ما في العودة ليس ترميم الحجر، بل استعادة الإحساس بأن المكان ما زال بيتًا… وأن المفتاح الذي احتفظ به النازح طوال سنوات لم يفقد معناه.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...

حين تقترب حرب إيران وأميركا من لبنان

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة محصورة في جبهة واحدة، بل امتدت إلى الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية، فيما بدأت تداعياتها تطال أكثر من ساحة في المنطقة. ومع اتساع رقعة...

نائب الغلابة.. عمرو رشاد يتكفل بسداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين بالجيزة

أعلن المهندس عمرو رشاد، عضو لجنة الإسكان والإدارة المحلية والنقل بمجلس الشيوخ وعضو لجنة القيم، ورئيس قطاع وسط الجيزة بحزب حماة الوطن، إطلاق مبادرة «إحنا أهل»، للتكفل بسداد...