الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
15°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

دير الأحمر تفتح ابوابها من جديد لمهجري الجنوب

كعادتها، تُثبت دير الأحمر، الأخت الشقيقة لبعلبك والهرمل، في أصعب الظروف وأحلكها، أنها مبادرةٌ لا تتردّد، وحاضنةٌ لا تتفرّج. وكما في أيلول 2024، ها هي اليوم، وفور اندلاع العدوان الصهيوني على لبنان، تسارع إلى تشكيل خلية أزمة لمتابعة شؤون الإخوة «الضيوف»، كما سمّاهم رئيس بلدية بتدعي والرئيس السابق لاتحاد بلديات دير الأحمر، الأستاذ جان فخري: «كنّا وسنبقى أهلًا وإخوةً وجيرانًا… فهم في قلوبنا قبل بيوتنا».

وقد سخّر اتحاد بلديات دير الأحمر والبلديات التابعة له كل إمكاناتهم لتنظيم استقبال الوافدين وتوزيعهم على المدارس والصالات، فضلًا عن البيوت التي عجّت بالأحباب والأصحاب من القرى والبلدات المستهدفة، والعمل على تأمين ما تيسّر من مساعدات بانتظار دعم الدولة، في خطوةٍ نالت تقدير المهجرين . كما عمل عناصر الاتحاد والبلديات على تنظيم مراكز الإيواء وحماية السلامة العامة، حرصًا على أمن الجميع وإدارة الوضع الاستثنائي بأفضل طريقة ممكنة.

ولا يقتصر التضامن على المساعدة المادية فحسب، بل يتعدّاه إلى الحضور القلبي والمشاعر الإنسانية الصادقة. فقد فتح الأهالي منازلهم وحدائقهم وأوقاتهم للضيوف، واستمعوا إلى قصصهم وهمومهم، وشاركوهم وجباتهم وذكرياتهم، ليشعر الوافدون بأنهم في وطنٍ ثانٍ يحتضنهم بمحبة ودفء. هذا التفاعل اليومي صنع رابطًا عميقًا بين الناس، متجاوزًا الانتماءات والطوائف، ومؤكّدًا أن الإنسانية، في أوقات الشدة، تبقى الأقوى.

وعلى الرغم من الصعوبات والتحديات اللوجستية، ظلّ أبناء دير الأحمر نموذجًا للتعاون والتكافل. فالعمل الجماعي بين الاتحاد والبلديات والمجتمع المحلي أظهر قدرة البلدة على مواجهة الأزمات بتخطيطٍ وتنظيمٍ ورؤيةٍ واضحة، مؤكدين أن أي ظرف يمكن تجاوزه بالتنسيق والصبر والمحبة. إنها الروح التي ترسم صورة لبنان الذي نحلم به، وطنٌا يتّسع للجميع، وبيتٌا لا يترك أحدًا وحيدًا في محنته.
وفي مشهدٍ يختصر الحكاية أكثر من أي بيان رسمي، وبضحكاتٍ عالية ولهفةٍ صادقة، استقبل شربلُ محمدَ القادم من البقاع الغربي قائلًا: «اشتقتلك يا زلمة، وين هالغيبة؟ رزق الله أيام القعدات». فضحك محمد وأجابه: «صحيح كانت حرب، بس إنتو نسّيتونا الهموم والوجع». فردّ شربل بحسم: «نحنا دايمًا حدّكم… هيدا بيت خيّك».

وربيع، الذي تردّد إلى المنطقة مرارًا بعد حرب 2024 وبنى صداقاتٍ مع عددٍ من أبنائها، قال: «جيت ع دير الأحمر بهديك الحرب وكنت خايف، بس ما شفت إلا كل خير. كانوا أهل وسند. خلصت الحرب وبقي التواصل. لما زوّجت بنتي حضروا العرس وهنّوها، ومن وقتها صرت أجي أكتر… الله يديم المحبة. صرت أحسّ حالي بضيعتِي».

أما روني، فاتصل بصديقه حسن معاتبًا: «ليش ما جيت؟ إنت منيح؟ تعا وجيب عيلتك… ولو، البيت بيتك».
كثيرةٌ هي القصص التي تُفرح القلب رغم الحزن والألم، وتعيد رسم صورة لبنان كما نحبّه، بيتًا واحدًا تتّسع جدرانه للجميع، حيث التضامن الإنساني يتجاوز أي تقصيرٍ رسمي.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...

إيلي أبي عكر: ضمير حي في مواجهة التعسف الحزبي

في قلب لبنان الممزق بين الانقسامات والصراعات الطائفية والسياسية، يظهر أحيانًا من يذكّرنا بأن الإنسانية ليست مجرد كلمة، بل فعل وقرار وشجاعة. إيلي أبي عكر، الشاب من جبيل، هو أحد...