السبت، 25 يوليو 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

ما دام القضاء بخير فبريطانيا بخير!

اقرعوا الأجراس، وارفعوا القبّعات، تحية لديوان المحاسبة، وتحديداً لرئيس الغرفة الثانية فيه القاضي عبد الرضى ناصر والعضوين محمد الحاج وجوزف كسرواني، لإصدارهما حكماً غير مسبوق في لبنان، ولديوان المحاسبة، قضى بفرض غرامات بملايين الدولارات على عدد من وزراء الاتصالات السابقين بتهمة “هدر أموال عامة وتبييض أموال وإخفاء منافع غير مشروعة..”

لن أكرر نشر أسماء الوزراء السابقين المعنيين، وقد يكون من حقهم القانوني الطعن بقرار ديوان المحاسبة، لدى مجلس شورى الدولة، ولكن من العدل الإشارة إلى ان الديوان برّأ النائب والوزير السابق، بطرس الحرب، مما اتُّهِم به ونوّه بان حرب وفر على الدولة ٢٠ مليون دولار برفضه تجديد عقد ايجار مبنى قصارجيان لانه غير صالح للاستعمال.

في خمسينات القرن العشرين، وكان كميل شمعون رئيساً للجمهورية يحارب الشيوعية ويقمع الشيوعيون. كان هناك كاهن شيوعي اسمه طانيوس منعم، يقدّم أفكاره البلشفية على صفحات جريدة “التلغراف” لصاحبها ورئيس تحريرها الشهيد نسيب المتني. وكان القاضي البتروني، مثل الخوري منعم، فرنان ارسانيوس مدعياً عاماً للتمييز ومقرباً من الرئيس شمعون. ادُعيّ على الخوري منعم بترويج الآراء الهدامة وصودرت مكتبته الضخمة وأحيل علي القاضي الجزائي المنفرد في البترون لمحاكمته بهذه التهمة.

وكان رئيس المحكمة آنذاك قاضياً مثال النزاهة والعلم والشجاعة اسمه يوسف جبران من بلدة “مزرعة المطحنة” قضاء جزين. اقفل باب مكتبه وانكب على درس ملف الدعوى غير آبه بما قيل له عن رغبة رئيس الجمهورية بفرك اذن الخوري المتمرد، وان من مصلحته هو ان يتجاوب مع هذه الرغبة. وكان حكمه الصاعق: “تبرئة الخوري طانيوس منعم مما نسب إليه لأن أدلة الدولة الجرمية هي مجموعة كتب ومقالات تعالج قضايا فكرية وليس في القانون اللبناني ما يجيز محاكمة الأفكار..” ولكن في لبنان سلطة سياسية تعاقب من يخالف رغبتها، نقلت القاضي المتمرد من البترون إلى الهرمل فنفذ قرار النقل. ودارت الأيام وصار يوسف جبران رئيساً لمجلس القضاء الأعلى ثم وزيراً للاعلام. واتذكر اني سألته مرة: “بتفضل نقلّك يا ريس، مثل عادتنا، او بتفضل معالي الوزير؟” فاجابني ضاحكاً: “لقب يا ريس يحمّلني مسؤولية موت وحياة الناس”. رحم الله الكبير يوسف جبران.

قرار ديوان المحاسبة، وهو حكم قضائي يعيد ثقة الناس بالقضاء، حامياً للحقوق، صائناً للحريات، محارباً للفساد، متعالياً على الاغراءات، مترهباً في صومعة الحق، مجنداً لخدمة الحقيقة ومنع التعدي عليها. قضاؤنا الذي خرج من صفوفه سياسيون اعلام شرفاء نظيفو الكف والسمعة مثل: سامي الصلح وبشير الأعور واميل روحانا صقر وأنور الخطيب وجان عزيز وجواد بولس وغيرهم. هكذا كان، وهكذا نريده ان يكون في كل زمان وموقع من المواقع القضائية.

زمن الحرب العالمية الثانية عاشت بريطانيا أياماً صعبة جداً، وعانت العاصمة لندن من قذائف الطائرات الألمانية وظهر نوع من الفوضى، حمل الحكومة على الاجتماع لمناقشة المشكلة. ووسط جدل الوزراء بشأن طريقة معالجة المشكلة سأل رئيس الحكومة، ونستون تشرشل، وزير العدل: “كيف أوضاع القضاء؟” إنه بخير وبكامل جهوزيته سيدي الرئيس” أجاب وزير العدل فعلّق تشرشل: “ما دام القضاء بخير فبريطانيا العظمى بخير أيضاً”.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...

مصطفى معروف سعد... حين يصبح الغياب مرآةً للوطن

ليس من السهل أن نكتب عن الرجال الذين تجاوزوا حدود أسمائهم، وصاروا جزءًا من ذاكرة المدن، وضمير الشعوب، وتاريخ الأوطان. فالكلمات، مهما سمت، تقف مترددة أمام أولئك الذين عاشوا أعمارهم...

كوزو أوكاموتو الرجل الذي أحرج العرب ، الآتي من خلف البحار لنصرة فلسطين، رحل.

عام 1972، كان كوزو أوكاموتو شابًا يابانيًا في ربيع العمر، في الخامسة والعشرين من عمره. ترك بلاده وأهله، والتحق مع اثنين من رفاقه: تسويوشي أوكودايرا ياسويوكي ياسودا وبقدر ما يصعب...

زمن عبد الناصر... زمن الكرامة

كان زمن عبد الناصر أكثر من حقبة سياسية. كان حلماً تحقق، وكان كرامة عربية استعادتها الشعوب بعد قرون من الذل والتبعية. في ذلك الزمن لم يكن العربي يمشي في الدنيا منكس الرأس. كان اسمه...

في ذكرى ثورة 23 يوليو المجيدة.. لماذا لا نفتأ نذكر هذا الحدث الكبير وأثاره الإيجابية رغم كل محاولات المشككين؟

تحل اليوم الذكرى 74 لقيام الثورة المصرية المجيدة (1952) التي قادها مجموعة من الضباط الأحرار الشباب والتي، مهما اختلفت الآراء حولها، لا يستطيع احد ان ينكر انها غيرت معالم الشرق...