الإثنين، 8 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

ما دام القضاء بخير فبريطانيا بخير!

اقرعوا الأجراس، وارفعوا القبّعات، تحية لديوان المحاسبة، وتحديداً لرئيس الغرفة الثانية فيه القاضي عبد الرضى ناصر والعضوين محمد الحاج وجوزف كسرواني، لإصدارهما حكماً غير مسبوق في لبنان، ولديوان المحاسبة، قضى بفرض غرامات بملايين الدولارات على عدد من وزراء الاتصالات السابقين بتهمة “هدر أموال عامة وتبييض أموال وإخفاء منافع غير مشروعة..”

لن أكرر نشر أسماء الوزراء السابقين المعنيين، وقد يكون من حقهم القانوني الطعن بقرار ديوان المحاسبة، لدى مجلس شورى الدولة، ولكن من العدل الإشارة إلى ان الديوان برّأ النائب والوزير السابق، بطرس الحرب، مما اتُّهِم به ونوّه بان حرب وفر على الدولة ٢٠ مليون دولار برفضه تجديد عقد ايجار مبنى قصارجيان لانه غير صالح للاستعمال.

في خمسينات القرن العشرين، وكان كميل شمعون رئيساً للجمهورية يحارب الشيوعية ويقمع الشيوعيون. كان هناك كاهن شيوعي اسمه طانيوس منعم، يقدّم أفكاره البلشفية على صفحات جريدة “التلغراف” لصاحبها ورئيس تحريرها الشهيد نسيب المتني. وكان القاضي البتروني، مثل الخوري منعم، فرنان ارسانيوس مدعياً عاماً للتمييز ومقرباً من الرئيس شمعون. ادُعيّ على الخوري منعم بترويج الآراء الهدامة وصودرت مكتبته الضخمة وأحيل علي القاضي الجزائي المنفرد في البترون لمحاكمته بهذه التهمة.

وكان رئيس المحكمة آنذاك قاضياً مثال النزاهة والعلم والشجاعة اسمه يوسف جبران من بلدة “مزرعة المطحنة” قضاء جزين. اقفل باب مكتبه وانكب على درس ملف الدعوى غير آبه بما قيل له عن رغبة رئيس الجمهورية بفرك اذن الخوري المتمرد، وان من مصلحته هو ان يتجاوب مع هذه الرغبة. وكان حكمه الصاعق: “تبرئة الخوري طانيوس منعم مما نسب إليه لأن أدلة الدولة الجرمية هي مجموعة كتب ومقالات تعالج قضايا فكرية وليس في القانون اللبناني ما يجيز محاكمة الأفكار..” ولكن في لبنان سلطة سياسية تعاقب من يخالف رغبتها، نقلت القاضي المتمرد من البترون إلى الهرمل فنفذ قرار النقل. ودارت الأيام وصار يوسف جبران رئيساً لمجلس القضاء الأعلى ثم وزيراً للاعلام. واتذكر اني سألته مرة: “بتفضل نقلّك يا ريس، مثل عادتنا، او بتفضل معالي الوزير؟” فاجابني ضاحكاً: “لقب يا ريس يحمّلني مسؤولية موت وحياة الناس”. رحم الله الكبير يوسف جبران.

قرار ديوان المحاسبة، وهو حكم قضائي يعيد ثقة الناس بالقضاء، حامياً للحقوق، صائناً للحريات، محارباً للفساد، متعالياً على الاغراءات، مترهباً في صومعة الحق، مجنداً لخدمة الحقيقة ومنع التعدي عليها. قضاؤنا الذي خرج من صفوفه سياسيون اعلام شرفاء نظيفو الكف والسمعة مثل: سامي الصلح وبشير الأعور واميل روحانا صقر وأنور الخطيب وجان عزيز وجواد بولس وغيرهم. هكذا كان، وهكذا نريده ان يكون في كل زمان وموقع من المواقع القضائية.

زمن الحرب العالمية الثانية عاشت بريطانيا أياماً صعبة جداً، وعانت العاصمة لندن من قذائف الطائرات الألمانية وظهر نوع من الفوضى، حمل الحكومة على الاجتماع لمناقشة المشكلة. ووسط جدل الوزراء بشأن طريقة معالجة المشكلة سأل رئيس الحكومة، ونستون تشرشل، وزير العدل: “كيف أوضاع القضاء؟” إنه بخير وبكامل جهوزيته سيدي الرئيس” أجاب وزير العدل فعلّق تشرشل: “ما دام القضاء بخير فبريطانيا العظمى بخير أيضاً”.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...

بين متطلبات الأمن والسيادة: قراءة استراتيجية نقدية في مخرجات مفاوضات واشنطن بشأن لبنان

مقدمة تُعد البيانات السياسية الناتجة عن المفاوضات الدولية مؤشراً مهماً على توازن القوى بين الأطراف المتفاوضة أكثر مما تعكس بالضرورة توازناً في المصالح أو الحقوق. ومن هذا المنطلق،...

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين...

حصار العواصم

أول فبراير الماضي (2026 ) أقتحم تنظيم داعـش نيامي عاصمة النيجر وسيطر لنصف ساعة على مطار العاصمة، بعد أن تمكن من السيطرة على عدد من القرى والمناطق المحيطة بنيامي، قبل أن تتقدم نحو...

وفي قلعة الشقيف قال الجندي الصهيوني لأرييل لشارون : انت كاذب !!

هذه الواقعة وردت في كتاب صهيوني صدر في فلسطين المحتلةٍ، بعد الاجتياح الصهيوني في لبنان الذي بدأ في مطلع شهر يونيو / حزيران 1982.. وانتهى بخروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية،...

"آية الله الفقيه السيد حسين إسماعيل الصدر"

في تأريخ الأمم شخصيات لا تعبر الزمن فحسب، بل تترك فيه أثرا يتجاوز حدود اللحظة ،ليغدو مشروعا فكريا وإنسانيا ممتدا عبر الأجيال ومن بين هذه القامات يبرز إسم آية الله الفقيه السيد...