لكان احمد قعبور أراد أن يغادر في هيكله فقط، وفي توقيت عصيب على المدينة، اشبه بعام ١٩٨٢ في ظروفه، صراع عالمي و انقسام داخلي في الخيارات، كان غيابه مقصود ، وكانه قرّر ان يشعل نبض بيروت الحرية ويجعل الناس تخرج لوداعه وهي تردّد أغنيته من كلمات توفيق زياد.. اناديكم اناديكم
اشدّ على اياديكم،
وقاب قوسين كانت هذه الأغنية تُبث ك “كشيفرة” لانطلاق عمليات فدائية ضد الاحتلال في الثمانينات (عبر إذاعة صوت لبنان العربي) ، المهمّ ان قعبور صنع من موته رمزية وطنية نضالية دون أن يقصد.
كان العصب الحيوي للمدينة شهد ازدحاماً كبيراً على الجسور والمناطق المحيطة بجامع الخاشقجي ومدافن الشهداء في شاتيلا في تحدّ لظروف الحرب وتحت سماء مستباحة بالطيران الحربي المعادي، وبدأ الأهالي مع الوافدين من كافة المناطق اللبنانية كأنهم يسجّلون في هذه اللحظة الدقيقة من مصير وطن موقفاً يمثل استفتاءً شعبياً لخيار احمد قعبور النضالي والذي لم يتخلّ عنه يوماً.. ودّع الناس احمد قعبور وكأنهم جدّدوا دفاعهم عن قضيته، قضيّتهم.. في زمن مخاض لبنان والأمة وولادة جديدة لفلسطين قضية وشعباً
اصرّ احمد ان يحوّل هزيمته أمام مرض السرطان، انتصاراً، حيث اجتمع أهالي بيروت والمحبين من كافة المناطق اللبنانية في وداعه، لأنهم يحبون قعبور الذي تعيش أغنياته في ذاكرتهم الجمعية وفي وجدانهم الوطني و العربي ولانهم أرادوا إطلاق صرخة وطنية تؤكد هوية بيروت التي لم تتغيّر
استتفرت القدس صباحاً، لحدث جلل، رحل احمد قعبور وارسل الاب المناضل عطالله حنّا كلماته للفقيد وعائلته، وارسل كلمات من حب ووطن تصنعه موسيقى تنطلق من الأحلام. حضر فنانون ومثقفون واعلاميون طيبون ومتواضعون مثله.. لم يحضر احد من أحزاب اليسار الانتهازي والحمدلله..
في الطريق مساءً الى قاعة التعازي بنادي خريجي الجامعة الأميركية كانت زحمة السير الخانقة تضيف حدث غياب احمد قعبور على نفسها بصورة واضحة، سيعرف المارة انك ذاهب لتقديم التعازي بقعبور ويدلونك على المكان من تلقاء أنفسهم، في وسط شارع الحمراء كانت تظاهرة صدحت فيها اغان وطنية منها اغاني قعبور كانت الاغنيات تصدح من المكان الذي نُفّذت فيه عملية الويمبي، تغير المكان واختفى المقهى وغيره من مقاهٍ لها دلالاتها في الذاكرة الوطنية، لكن روح الآمكنة لا تختفي ولا نبضها.
ولأحمد قعبور… هنيئاً لك هذا الرحيل بما حمله من نبض.


