الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
33°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

كذب المنجّمون… ولو صدفوا

كارولين ياغي

في كلّ ليلة رأس سنة، يطلّ المنجّمون على الشاشات كأنّهم جزء ثابت من مشهد هذا البلد. خرائط فلكية، كواكب، تواريخ وأحداث تُسرد مسبقًا، وكأنّ المصير تحوّل إلى نصّ جاهز لا يقبل التعديل. غير أنّ هذا العام حمل إضافة لافتة: لم يعد المنجّم وحده من يتنبّأ، بل انضمّ إليه محلّلون وخبراء رأي، عبر الشاشات و”البودكاست”، بلغة أكثر مباشرة وأقلّ رمزية، يتحدّثون عن ضربة وشيكة، عن توقيتها واتجاهها، وعن سؤال بات يتكرّر بإلحاح: هل تتّجه الأمور نحو حرب في لبنان؟ ومتى؟
هنا، لا يتولّد الخوف من المجهول بقدر ما يتولّد من كثافة الكلام عنه. فالإصرار على تداول “سيناريو” “الضربة الحتمية” والتصعيد القادم يزرع في الوعي العام قلقًا دائمًا، وكأنّ الحرب لم تعد احتمالًا بل مجرّد مسألة وقت. اللبناني، المثقل أصلًا بانهيارات اقتصادية واجتماعية متتالية، يجد نفسه اليوم محاصرًا بتوقّعات الحرب ،كما حوصِر سابقًا بتوقّعات الانهيار.
القلق لم يعد مرتبطًا بالفعل العسكري نفسه، بل بما قد يليه. ماذا لو وقعت الضربة؟ ماذا لو جاء الردّ من لبنان؟ هل نحن أمام قواعد اشتباك جديدة، ؟أم أمام مشهد إقليمي مختلف عمّا اعتدناه؟ أسئلة مشروعة بطبيعتها، لكنّها تتحوّل إلى مصدر هلع ،حين تُطرَح يوميًا بلغة التهويل، وحين يُقدَّم الاحتمال وكأنّه قدر لا مفرّ منه.
ويزداد هذا القلق حين تُربط هذه السيناريوهات بخطاب إسرائيلي تصعيدي ،لا يخفي نواياه. فحين يغيب أي حديث عن ضوابط سياسية أو اعتبارات إنسانية، يبدو المشهد وكأنّ نتنياهو يتصرّف بعقلية «بعدي الطوفان»، غير مكترث بما قد ينتج عن ذلك. عقلية ترى في الدمار مرحلة عابرة، وفي التداعيات تفصيلًا مؤجّلًا، ما يفتح الباب أمام مخاوف جدّية من استثمار أي تصعيد لفرض وقائع جديدة على الأرض، قد تصل إلى حدّ احتلال أجزاء من الجنوب أو تحويله مجدّدًا إلى ساحة رسائل إقليمية.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا القلق عن الداخل اللبناني نفسه. فإمكان حصول ردّ من لبنان، مهما كان حجمه أو طبيعته، يعني حتمًا الدخول في معادلات جديدة، قد تكون حدودها وسقوفها مفتوحة على المجهول. عندها، يصبح السؤال أقلّ ارتباطًا بالضربة المقبلة، وأكثر ارتباطًا بقدرة البلد على تحمّل نتائجها، في ظلّ دولة مأزومة، واقتصاد هشّ، ومجتمع أنهكته الأزمات المتراكمة.
من هنا، تصبح الكلمة فعلًا مسؤولًا. فالمشكلة ليست في التحليل بحدّ ذاته، بل في الفوضى الخطابية، وفي السباق على التوقّعات، وفي تحويل الشاشات إلى عدّاد دائم للحرب. فحين يتكرّس الحديث عن الحرب يوميًا، تقترب نفسيًا حتى لو لم تقع عسكريًا. وحين يغيب الحدّ الأدنى من ضبط الخطاب، يتحوّل القلق إلى عبء يومي يدفع ثمنه الناس قبل أيّ جهة أخرى.
على المسؤولين، في مختلف مواقعهم، أن يدركوا أثر كلماتهم ونبرتهم والرسائل التي يوجّهونها إلى الداخل قبل الخارج. لبنان لا يحتمل ترف التناقض ولا مزايدات الخطاب في لحظة بهذه الحساسية. ففي بلد هشّ، قد تكون الكلمة غير المحسوبة شرارة، وقد يكون الصمت الواعي أبلغ من سيل التحليلات.
قد لا يملك اللبناني ترف معرفة ما يحمله الغد، لكنّه يملك حقّ ألّا يُستنزَف يوميًا بسيناريوهات الخوف، وألّا يُترَك وحيدًا في مواجهة قلق يُبثّ على الهواء مباشرة.
فكذب المنجّمون… ولو صدفوا ،
يبقى الأهمّ ألّا نكذب على الناس، وألّا نتركهم أسرى الخوف، فيما الحقيقة الثابتة أنّ هذا البلد لا يحتمل حربًا جديدة، ولا طوفانًا إضافيًا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...

حين تقترب حرب إيران وأميركا من لبنان

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة محصورة في جبهة واحدة، بل امتدت إلى الملاحة والطاقة والقواعد العسكرية، فيما بدأت تداعياتها تطال أكثر من ساحة في المنطقة. ومع اتساع رقعة...