الأربعاء، 9 سبتمبر 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

ما لا تقتله الغربة… أمّ الياس وأمّ أحمد شاهدتان على وطنٍ لا يموت

«يِخرب ذوقِك يا أم أحمد…» عبارةٌ خرجت بعفويّةٍ صادقة من أمّ الياس، لحظة التقت صدفةً بجارتها وصديقتها القديمة في «مول خلدة»، بعد غيابٍ امتدّ أكثر من اثنين وعشرين عامًا. وما إن وقعت عيناها عليها، حتى ارتجف الزمن في داخلهما، وتكسّرت سنوات البعد دفعةً واحدة، لتردّ أمّ أحمد بلهفةٍ غلبها الحنين: «يا تقبريني…» ثم ارتمتا في عناقٍ طويلٍ بدا وكأنّه محاولةٌ يائسة لتعويض عمرٍ كاملٍ من الغياب. في تلك اللحظة، تجسّدت الإنسانيّة بأسمى معانيها؛ اختلط الدمع بالفرح، والضحك بالبكاء، وتعانقت الذكريات مع نبض القلوب.
راحت الكلمات تتزاحم بين الشوق والعتب والاطمئنان: «طمنيني عنّك… كيفِك؟ كيف الأولاد؟»
فتجيب الأخرى بعينين يملؤهما الامتنان: «الحمد لله… وإنتِ؟ كيفهم أهلك؟»
بالنسبة لي، لم يكن ذلك اللقاء عابرًا أبدًا، بل بدا شاهدًا حيًّا على صدق اللبنانيين، وعلى المحبّة العفويّة التي تسكن قلوبهم رغم كلّ ما مرّ بهم من حروبٍ وغربةٍ وتعب، وعلى انتمائهم العميق لوطنٍ ما زال يجمعهم كلّما ظنّوا أنّ المسافات فرّقتهم.
ذلك المشهد دفعني لأن أقترب منهما مدفوعًا بفضولٍ إنساني جميل، فقلت معتذرًا بلطف: «عذرًا على المقاطعة… لكنّي أرى صدق محبّتكم، قديش صارلكن ما شايفين بعض؟»
فنظرت أمّ الياس بعفويّتها الآسرة، ورفعت صوتها بدهشةٍ ممزوجة بالحنين قائلةً: «هوهوووو… عمر! حوالي أكتر من 22 سنة!»
ثم التفتت نحو أمّ أحمد، وقد غلبتها الذكريات، وأضافت بابتسامةٍ يختلط فيها الفرح بالشجن: «وكأنّن مبارح… رزق الله يا أم أحمد.»
فقالت أمّ أحمد وهي تمسح دموعها: «إي والله… رزق الله، يلعن بي الغربة.»
ثم سألتها أمّ الياس بسرعةٍ ولهفة الأمّ التي تريد أن تستعيد كلّ ما فاتها دفعةً واحدة: «شو صار عندِك أولاد؟»
أجابت أمّ أحمد مبتسمةً رغم ارتجاف صوتها: «محمود… وطارق… وزينب… وكاملة.»
فقاطعتها أمّ الياس بدهشةٍ كادت تُعيدها شابّةً كما كانت: «كاملة؟! سمّيتيها على اسمي؟»
فأجابت أمّ أحمد، ودموع الفرح تنساب فوق وجنتيها: «إي والله… على اسمِك يا غالية.»
عندها ارتمت أمّ الياس في حضنها من جديد، عناقًا يشبه اعتذار العمر عن قسوته، ثم ابتعدت قليلًا وكأنّ خاطرًا مباغتًا طرق قلبها فجأة، وقالت بسرعة: «وأحمد؟ كيف نسيتيه بين الأسماء؟»
ساد الصمت لحظة… كأنّ الزمن توقف قبل أن ينطق بالألم.
ثم أجابت أمّ أحمد بصوتٍ مكسور: «أحمد… عطاك عمره من زمان… أوّل ما وصلنا ع أفريقيا…»
شهقت أمّ الياس ووضعت يدها على صدرها كأنّ الخبر أصاب قلبها للتو، ثم صرخت بحرقةٍ صادقة: «يا الله… دخلك يا الله… الله يرحمك يا أحمد!
كيف مات؟ نسيتي إنّي رضعتو سنة كاملة مع ابني ميشو…»
وهنا انفجر البكاء… بكاء أمٍّ على طفلٍ لم تلده من رحمها، لكنّها حملته يومًا في قلبها وحنانها. بكت أمّ الياس بكاء الأمّ المفجوعة، فبكت معها أمّ أحمد، وبكيتُ أنا أيضًا دون أن أشعر، وحتى ابني الصغير عليّ الجواد، الذي كان يرافقني، وقف صامتًا وعيناه تلمعان بالحزن.
ثم التفت إليّ وقال بصوتٍ طفوليّ بريء: «يا بابا… والله اللبنانيين بيحبّوا بعض.»
فربتُّ على كتفه وقلت: «طبعًا يا بني… اللبنانيون خُلِقوا للمحبّة والتلاقي، لكن حبّذا لو يتركونا ونبقى بخير.»
نظر إليّ متعجّبًا وسأل: «مين يا أبي؟»
فأجبته بحزنٍ أثقلته السنين: «سماسرةُ بازاراتِ السياسةِ الدنيئة في لبنان… أولئك الذين يعتاشون على الفرقة، بينما الناس البسطاء لا يريدون سوى أن يعيشوا بمحبةٍ وسلام.»

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

هل كان سيد قطب مفكراً عظيماً أم إرعابيا" كبير ا"

خاف الأميركيون من ارتماء العرب في أحضان الشيوعية ، وقرروا جذب الشيوخ والكتاب المؤثرين أصحاب الكلمة المسموعة والاتفاق معهم لتكريه المسلمين في الشيوعية ،وتكفيرهم كونهم ضد الإسلام ،...

مستشفى غندور الرائدة، كومة حجارة .

مع قصف مستشفى غندور في النبطية تنتهي قصة مستشفى شجاعة لطالما صمدت في أسوأ شروط الاحتلال والحرب والتحوّلات وصولا إلى زمن خطوط التماس الجديدة. ما تدمير مستشفى غندور الا رسالة دموية...

نجميات

الثقافة لا تجعلك على علمٍ بكل شيئ ، وانما هي التي تُمكنك من الألتزام : بالحب ، والحق ، والخير ، والجمال ، والأنسانية : ** الصمت ليس الذي هو عكس الكلام ، بل هو قمة الكلام ، ويتكلم...

الأنا اللبنانية النرجسية الشوفينية المتضخمة المَرَضية.

قال اخوان الصفا ان ليس بعد التناهي في الزيادة غير النقصان بينما يقول هيغل ان ليس بعد القمّة سوى الانحدار ، لسنا بحاجة لأي قول لندعم قراءتنا لأن وضوح الامور تكفي بلد يعجّ بالعظماء...

لماذا قبل هؤلاء أن يكونوا عصا العدو الصهيوني في وجه المقاومين ؟

يذهب صهاينة الداخل( موارنة وسنة وشيعة )في لبنان في الرهان على العدو الصهيوني إلى أبعد حدود، فمن المؤسسة الدينية المتمثلة بالبطريرك الراعي، والمؤسسة الرسمية، رئاسة الجمهورية...

نصر موهوم لهزيمة محققة علي الطاهر... حين عميت عين العدو.

في الثالث من تشرين الأول عام ٢٠٢٤، استهدف العدو الإسرائيلي مكان تواجد الأمين العام لحزب الله، السيد الشهيد هاشم صفي الدين. ويُعتبر استهداف السيد هاشم من أكبر استهدافات الحرب...