لم تعد المشكلة في ازدواجية المعايير، بل في سقوط المعايير نفسها. ما يُسمّى اليوم «نظامًا دوليًا» تحوّل إلى أداة بيد القوة الأكبر، تُستخدم حين تخدم مصالحها، وتُعطَّل حين تعيق مشاريعها. تُفرض الحصارات، وتُخنق الشعوب، وتُمحى حقوق أمم بأكملها، ثم يُرفع شعار القانون الدولي كواجهة أنيقة لسياسات القهر.
الميثاق الذي وُلد ليكون مظلة للعدالة الدولية صار مجرّد لافتة بلا مضمون. العدالة لم تعد ميزانًا، بل سلاحًا انتقائيًا. من يملك النفوذ يُبرَّأ، ومن يفتقده يُدان. هكذا يُعاد تعريف القانون وفق منطق القوة، لا وفق مبادئ الحق، ومن يعترض يُصنَّف خطرًا، ومن يرفض الانصياع يُعاقَب باسم «النظام العالمي».
أخطر ما نعيشه ليس فقط هيمنة دولة على أخرى، بل تحويل الغابة إلى نظام رسمي، والاستبداد إلى سياسة مُشرعنة، والفوضى إلى قواعد لعبة جديدة.
عالم بلا عدالة لا يمكن أن يكون عالمًا آمنًا، بل مشروع فوضى مؤجّلة وانهيارات متراكمة.
ولكل العرب أقول: اتحدوا، فالحق لا يُحمى بالخطب، ولا بالبيانات، ولا بالارتماء على أبواب الجلاد طلبًا للإنصاف.
والحق يحتاج إلى قوة تحميه، وإرادة موحدة تصونه، وعقل سياسي يعرف أن الكرامة لا تُستجدى بل تُنتزع.


