الإثنين، 15 يونيو 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

محبة آل البيت الكرام

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{إنما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويُطهِّركم تطهيرا} سورة الأحزاب.
إن لآل بيت نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم عزًّا عزيزًا وشأنًا أغلى من الذهب الإبريز فمن رام الهدى فهم شموس الحق، ومن أراد الرِّفعة فهم معارج الرُّقي، عند أعتابهم يحطُّ المجد رِحاله وعلى أبوابهم تخطُّ السيادة عنوانها، محبتهم للقلوب دواء ونهجهم للأفئدة غذاء، من اقتدى بهم سلم ومن سار في دربهم وصل، فالزم العشق لأئمتهم وزد هُيامًا في ذرى معاليهم ولا تحد عن سبيلهم، فنورهم أجلى من الشمس وصفاؤهم أبهى من القمر.
وليس يخفى على من فهم مقاصد الشريعة أن الله تعالى قد أوجب محبة آل البيت الأطهار والصَّحابة الكرام على السواء وأن للآل إطلاقين فتطلق لفظة الآل أحيانًا ويُراد بها أزواج وأولاد وأحفاد وأقرباء النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم المؤمنون، ووجوب محبتهم لما خُصُّوا به من الفضل الكبير. وبهذا المعنى يدخل فيهم من كان من ذريته صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، فمن صحَّ له نسبٌ إلى فاطمة الزهراء بأن كان حسنيًّا أو حُسينيًّا فهو من أهل البيت، وذلك أن النسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يثبت من جهة فاطمة الزهراء وهذا استثناءٌ خلافًا لسائر أنساب الناس فإنها تثبت من جهة الآباء، ويدل على هذا المعنى ما رواه ابن حِبَّان عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم السَّاعة حتى يملك الناس رجلٌ من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي فيملؤها (أي الأرض) قِسطًا وعدلًا”. والمراد بهذا الرجل المهدي المنتظر عليه السلام، فنسبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل بيته وعدَّه منهم وهو من ذرية بنته السيدة فاطمة عليها السلام. ويُراد بالآل أيضًا مطلق أتباع النبي صلى الله عليه وسلم الأتقياء، وهذا المراد في مقام ذكر الآل مصحوبًا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإذا قيل: اللهم صلِّ وسلم على محمدٍ وآله فإن لفظ الآل في هذا المقام شاملٌ لكل تقيٍ فتجب محبَّتهم أيضًا لأنهم أحباب الله تبارك وتعالى بما لهم من القُرب والمقام العالي عند ربهم بطاعتهم الكاملة. والمحبة يُراد بها معانٍ منها الميل القلبي ومنها التعظيم وهذا هو المعنى المراد من القول: بوجوب محبة الآل والأتقياء الصَّالحين فيجب تعظيمهم التعظيم اللائق بهم بأن يُنزلهم في قلبه المنزلة التي أمر الشرع بها من غير غُلوٍّ ولا تفريطٍ وفي هذا المقام نقول:
من فضل الآل
قد دلَّت الآية أعلاه على المعنى الأول للآل، وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بأهل البيت “أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وذهب آخرون إلى أن المراد علي وفاطمة والحسن والحسين. وذهب بعضهم إلى أن الآية عامة في الكل” قال السِّمعاني في “تفسيره” بعد ذكر الأقوال الثلاثة وهذا (أي القول الثالث) أحسن الأقاويل فآله (أقاربه المؤمنون) قد دخلوا في الآية ونساؤه قد دخلن في الآية” وقال ابن الجوزي في “زاد المسير” مثل ذلك وفيه “واللغة تدل على أنها للنساء والرجال جميعًا لقوله تعالى: عنكم بالميم ولو كانت للنساء لم يجز إلا عنكن ويُطهركن”
قلت: ولا شك أن زوجة الرجل من آله قال تعالى إخبارًا عن سارة زوجة نبي الله إبراهيم عليه السلام:{قالت يا ويلتي ءألد وأنا عجوزٌ وهذا بعلي شيخًا إن هذا لشىءٌ عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميدٌ مجيد} سورة هود.
قال ابن عطية في “المحرر الوجيز” “وهذه الآية تُعطي أن زوجة الرجل من أهل بيته لأنها خوطبت بهذا فيقوى القول في زوجات النبي عليه السلام بأنهن من أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس” وروى البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وقت حديث الإفك:”من يعذرنا (ينصرنا) من رجل بلغَني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا” وأراد بأهل بيته عائشة عليها السلام.
وروى الطبراني عن عمر بن أبي سلمة قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة (إحدى زوجاته) إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا فدعا الحسن والحسين وفاطمة فأجلسهم بين يديه ودعا عليًّا فأجلسه خلف ظهره وتجلَّل هو وهم بالكِساء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيرا” فقالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله فقال: وأنت مَكانكِ وأنت على خير”
وعن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّ أوليائيَ منكم المتقون من كانوا وحيث كانوا” رواه الطبراني. وبهذا يظهر أن الآل شاملة لزوجات وأقارب النبي صلى الله عليه وسلم في أحد الإطلاقين ويُراد بها أيضًا المتقون الصَّالحون في إطلاقٍ آخر.
وفي المراد بالرجس أقوال ذكرها أبو حيَّان في “البحر المحيط” وغيره فقيل: الرجس الكفر وقيل: العذاب في الدنيا والآخرة وقيل: كل ما لا خير فيه. فمن كان داخلًا في هؤلاء الآل فهو محفوظٌ من خاتمة السوء وعاقبة أمره خير فيا بُشراهم.
ونظرًا لما خُصَّ به الآل فنحن مأمورون بإجلالهم وحفظ حقهم ولقد قيل:
من مثلكم لرسول الله ينتسب ليت الملوك لها من جدِّكم نسبُ
ما للسلاطين أحسابٌ بجانبكم هذا هو الشرف المعروف والحسب
قال الله تعالى:{قل لآ أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القُربى} سورة الشورى.
قال النسفي في “تفسيره” “أي لا أسألكم أجرًا قط ولكني أسألكم أن تودُّوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم ولم يقل إلا مودة القُربى أو المودة للقربى لأنهم جُعلوا مكانًا للمودة ومقرًا لها” وروى مسلم عن يزيد بن حيَّان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث طويل: “أذكركم الله في أهل بيتي كررها ثلاثًا” معناه: اتقوا الله في أهل بيتي. ولو أردنا أن نسترسل في ذكر أمثلة محبة الصحابة وأهل السنة لأهل البيت لطال الكلام جدًا ونحن نبرأ إلى الله ممن ظلمهم والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الهجرة النبوية... حين يصنع الإيمان التاريخ العظيم

ونحن نستقبل نفحات العام الهجري الجديد ، وتقف أرواحنا في رحاب ذكرى الهجرة النبوية المباركة ، تتجه الأبصار إلى ذلك الحدث الهائل الذي شكّل منعطفًا خالدًا في مسيرة الدعوة الإسلامية،...

من معاني الهجرة الشريفة

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى: قال الله تعالى في القرآن الكريم :{إلا تنصروه فقد نصره الله إذ اخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن...

ظهر الفساد فالزم السَّداد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} سورة الروم. قد ظهر...

في كل كبدٍ رَطْبةٍ أجرٌ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} سورة الحج في الآية تأكيدٌ على فعل الخير وهو شاملٌ لأداء الواجبات واجتناب...

رسالة إلى مريد الحج

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم: :{ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنيٌ عن العالمين} سورة آل عمران....

لغضب غول الحلم

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وإذا ما غضبوا هم يغفرون} سورة الشورى. وعن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني، قال: “لا تغضب...