الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من الأشرفية إلى حيّ السلم: كيف نجونا من الحرب بالجيرة

لم يكن في بال الحاج علي، المولود في محلّة الأشرفية، أن الجغرافيا يمكن أن تنقلب فجأة إلى سؤال، وأن الاسم قد يصبح بطاقة عبور أو سبب توقّف. لم يكن يتخيّل أن أمواج التهجير القسري التي فجّرتها الحرب الأهلية المشؤومة ستنتزعه من ذاكرته الأولى، وتلقي به في مكان لا يشبه سوى قلق البدايات.

يقول: وُلدت في الأشرفية، كبرت بين شوارعها، وحملت رائحتها معي إلى المدرسة، إلى اللعب، إلى صداقات لم تكن تعرف الطوائف، ولا تسأل عن الأسماء. هناك، لم يكن الاختلاف عائقًا، بل تنوّعًا طبيعيًا، كألوان البيوت المتجاورة. إلى أن جاء عام 1975، وقررت الحرب أن تعلّمنا قسوة الخرائط.

خرجنا من المنطقة بلا وداع. سيارة تمضي، وقلوب معلّقة خلف الزجاج. لا نعرف إلى أين نذهب، فقط نبتعد. توقّفت السيارة في مكان يُقال له تحويطة الغدير. سأل والدي: كيف نصل إلى حيّ السلم؟ فجاء الجواب عاديًا، كما لو أن الأمر لا يعني اقتلاع عمرٍ كامل: «بوجهك على طول… ثم على اليسار».

كان البيت كبيرًا، تحيط به أشجار الزيتون والليمون، كريمة في عطائها، صامتة في غربتها. ومع ذلك، شعرت أن شيئًا ما مكسور في داخلي. لم يكن البيت ناقصًا، كنت أنا الناقص. تركتُ هناك، في الأشرفية، طفولتي، وأصوات الجيران، وتمثالًا صغيرًا للسيدة العذراء عليها السلام، كنت أضعه قرب سريري، وأستمدّ منه كل صباح طمأنينة لا تُشبه شيئًا آخر.

وكأن الأمهات يمتلكن حاسة لا تخطئ، لقد قرأت أمي ما في خاطري، وقالت فجأة: «يا علي، حطّ تمثال السيدة العذراء عالباب».

تنفّستُ بعمق. كان التمثال معنا. حملناه كما يحمل المرء قلبه حين يترك كل شيء خلفه. وضعته عند الباب، وجلست أفتّش في كيسٍ صغير عن كنزٍ آخر، رسائل أصدقائي في المدرسة. قرأتها واحدةً واحدة. لم أجد فيها ما يشير إلى اختلاف، أو خوف، أو مسافة. وجدت حبًا صافياً، وحنينًا بريئًا، ووعودًا صغيرة لا تعرف أن الحرب ستسرقها.

مرّت السنوات… وفي عام 1987، عند أحد الحواجز الميليشياوية، توقّفت مجددًا. أوقفوني على اليمين. لم أكن مشتبهًا، ولا مطلوبًا، فقط اسمي كان “علي”.

وفي لحظة لا تُنسى، خرجت «الطانْت تريز» من سيارتها، وبرفقتها زوجها الخواجة فريد. الجارة نفسها، الوجه نفسه، الذاكرة نفسها. اقتربت من الحاجز، وقالت بصوت لا يعرف الخوف: «شو بدكن بهالناس؟ بس اسمُه علي؟ الله ما بيرضى بالظلم».

لم تكن تدافع عن شخص، بل عن فكرة. عن زمنٍ لم تكن فيه الأسماء تُحاكم، ولا الهويات تُفتّش. تأثّرت قبل مسؤول الحاجز، الذي قال لي بهدوء: «روح على بيتك».

وبعفوية لا شعورية ركضتُ نحوها لأشكرها، فابتسمت تلك الابتسامة التي تشبه البيوت القديمة والجيرة القديمة، وقالت: «على شو بدك تشكرني؟ أنتم كنتم أحلى جيران. سلّم على إم علي… وخلّونا نشوفكم».

في تلك اللحظة، أدركت أن الوطن ليس مساحة تُرسم بالخرائط، بل علاقة تُبنى بين الناس. وأن الجيرة الصادقة قادرة، في أكثر الأزمنة قسوة، على أن تكون ملجأً لا حاجزًا. فهمت أن الحرب تستطيع أن تغيّر الأمكنة، لكنها تعجز عن اقتلاع ما ترسّخ في الذاكرة من محبة. هكذا نجونا… لا بالقوة، ولا بالانتصار، بل لأننا بقينا جيرانًا، رغم كل شيء.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الكتاب الذي منعت أميركا نشره

كاتبه جون بيركنز لم يكن صحفيا، كان موظفا رسميا في شركة اسمها MAIN العملاقة. هذه الشركة واجهة لوكالة الامن القومي NSA. وظيفته في البطاقة: خبير اقتصادي كبير. وظيفته الحقيقية: قاتل...

من علي الطاهر إلى صناديق الاقتراع... الحرب التي تجمع ترامب ونتنياهو وتفرقهما.

تقترب صناديق الاقتراع، وتقترب معها المنطقة من مرحلة تبدو فيها السياسة والميدان وجهين لمعركة واحدة. فالانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، تليها الانتخابات الأميركية في 3 تشرين...

كفررمان والجنوب... هل هؤلاء بنية تحتية؟

تسعة أسماء. بينهم أطفال ونساء. سقطوا في مجزرة بلدة كفررمان الجنوبية: محمد نعيم فرحات، حسن وحسين ومحمد وفاطمة فرحات، زهراء أيوب، والأطفال مريم وعبدالله وعباس فرحات. هل هؤلاء...

المعتدي والمعتدى عليه أوروبا بين شعارات القيم ومنطق المصالح

المنظومة الدولية التي وُلدت بخطيئة الازدواجية منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تأسست المنظومة الدولية على أسس نظرية سامية الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون،...

هل كان سيد قطب مؤسس جماعة الإخوان المسلمين مفكر عظيم أم إرهابي كبير

أصدر ويلفر كرين ضابط المخابرات الأميركية كتابه ” حبال من رمال ” سنة 1948 بتاريخ حرب فلسطين ، فخاف الأميركيون من ارتماء العرب في أحضان الشيوعية ، وقرروا جذب الشيوخ...

من كركوك إلى طرابلس : هل يفوّت لبنان فرصة إعادة رسم خريطة الطاقة في المنطقة؟

في الشرق الأوسط اليوم، لم يعد النفط مجرد سلعة تُنقل من حقل إلى مصفاة. أصبح النفط مسألة جغرافيا وأمن قومي وسيادة على طرق التجارة. العراق، الذي يعتمد اقتصاده بصورة هائلة على النفط،...