السبت، 13 يونيو 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

نوبة هلع في مصعد...

في المصعد الكهربائي أشخاص مستعجلون ،كل واحد منّا ينتظر باب طابق لملاقاة مريض متعب .
لا يرقد في المستشفى غير المهددين بصحّتهم.
كل واحد ينظر إلى الآخر ،ولا يرى غير ازمته الخاصة،السمين الواقف إلى جنبي الأيمن يتأمل النحيل الواقف إلى يساري ،الأصلع ينظر إلى الرجل الكثيف الشعر،القصير يمتّع نظره بشابة طويلة القامة.
تظنّنا ننظر إلى الازرار المرقّمة المضاءة عند حافة باب المصعد ،الا اننا في الحقيقة ننظر إلى بعضنا البعض بتأفف بإنتظار انتهاء الرحلة.
كل واحد منّا مقتنع ان الآخر مصدر إزعاج.
أسوأ الرحلات تلك التي تجمعنا بأشخاص لم نخترهم،تلزمنا بهم الضرورة ولو لثوان.
الا ان للأقدار والكهرباء والأسلاك رأي آخر،توقف المصعد، وانطفأ الضوء بعد صدور ضجيج مباغت مع اهتزاز الحجرة بنا.
صمت لا تخرقه غير الانفاس ثم سماع الرجل عند زاوية المصعد يلعن شركة الكهرباء ،ليصيح له آخر ان المسؤول ليس غير مولّد الكهرباء الخاص بالمستشفى.
أحدنا طمأن الجميع أن الازمة لن تطول لأن هناك مختصون سيسعفون الجميع بسرعة، الا انه أنهى كلامه بشتم السياسيين.
لماذا السياسيين؟
لا اعرف.
لم تطمئن المرأة الأنيقة امامي،لم يعجبها المشهد ،سمعنا جميعا صوت انفاسها المتسارعة حتى اننا سمعنا خفقان قلبها الموجوع.
صاحت انها تعاني من نوبة هلع ،وبحال لم يُفتح الباب بأي طريقة ستغيب عن الوعي.
قالت ذلك وقد بدأت بفك ازرار ياقة قميصها، ثم أنزلت حقيبة اليد على الارض وبدأت قواها تتلاشى رويدا رويدا، إلى ان مالت بجسمها نحوي فبادرتها وبسرعة الحاذق بحبة من دواء “الكسانكس” في فمها كانت في جيبي ليس بالصدفة إنما لمهمات مستحيلة واحتضنتها.
سألت فأجبتها عن اسم الدواء فارتاحت واستوضحتني بعينين تبحثان عن أمل:
-ما هي مهنتك؟
–طبيب
-جيّد ا،ساعدني ارجوك!ما اختصاصك؟
–طبيب نفسي.
-رائع ،في العسر يسرا يا حكيم ،ساموت من الخوف ماذا علي ان افعل؟هل سنختنق؟
–تنفسي بهدوء وارخي عضلات جسمك ،لا تخافي لن تسقطي لأني أحضنك .

هنا صفّق الجميع مع ابتسامة امل،ظننت التصفيق لنا نحن الاثنين الا اني انتبهت ان المصعد عاد واسترد وعيه، فانار الحجرة واكمل صعوده ثم توقف ،وفتح الباب ليخرج الجميع حتى إلى الطابق الخطأ.
فجأة اختفى الجميع حتى المرأة الجميلة الأنيقة المرعوبة،ما إن لاح الضوء والحرية حتى لملمت جسمها وانطلقت.
لم اسمع كلمة “شكراً” من احد.
لم أفعل شيئا لأُشكر عليه إنما الا يكفي اني حضنتها؟
الخلاص والنجاة لا يحترمان الاخلاق، ولا يقيمون وزناً للمنقذ.
أسوأ ما في الحياة خارج المصعد ان تضحياتنا تنساها الناس ،وانا لم أضحِّ إنما نرجسيتي لا ترضى الا بشكر مع قبلة.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...