الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
16°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

*ورقة ويتكوف

انحياز فج وتكريس للهيمنة الصهيونية

في ذروة العدوان المتواصل على قطاع غزة، وبينما تتعالى الأصوات الدولية الداعية إلى وقف فوري وشامل لإطلاق النار، خرج المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بورقة تفاوضية ،يفترض أن تُمثّل خارطة طريق نحو تهدئة إنسانية ومسار سياسي مستدام. إلا أن القراءة الدقيقة لمضمون هذه الورقة تُظهر أنها جاءت منقوصة، مشوّهة، ومنحازة بالكامل للرؤية الإسرائيلية، حتى بات بالإمكان تسميتها دون تردد: “الورقة الأميركية-الإسرائيلية”.

انحياز كامل في ملف الأسرى
الورقة تبنّت بشكل سافر شروط الاحتلال في ملف التبادل، سواء فيما يخص التوقيت، أو العدد، أو آلية التسليم. فهي تضع جميع مطالب الحكومة الإسرائيلية في الواجهة، متجاهلة بالكامل التصورات التي قدّمتها حركة حماس، خصوصًا ما يتعلق بتجزئة الإفراج عن الأسرى وربطه بمراحل التهدئة ووقف إطلاق النار، وهو ما يُعدّ نسفًا لفلسفة التفاوض التي أرستها الحركة منذ بدء العدوان.

المساعدات: تجويع مشرعن
أما في الجانب الإنساني، فلم تخرج الورقة عن المنطق الاحتلالي ذاته، إذ لم تتعامل مع المساعدات كحق إنساني غير قابل للتفاوض، بل ربطتها بـ”ما يتم الاتفاق عليه”، وكأنّ الغذاء والدواء والوقود باتت أوراق ضغط تُدار على طاولة المساومات، لا التزامات دولية مفروضة بحكم القانون الإنساني والدولي. هذا التوجّه يُعدّ محاولة مفضوحة لشرعنة الحصار، وإعادة إنتاج سياسة التجويع ضمن إطار تفاوضي مغلّف بالدبلوماسية.

وقف الحرب… بيد نتنياهو
الأكثر خطورة أن الورقة لم تتضمّن أي ضمانة حقيقية لوقف الحرب ،أو حتى لوقف إطلاق نار طويل الأمد. بل تركت هذه المسألة مرهونة بـ”اتفاق الطرفين”، ما يعني فعليًا إبقاء القرار النهائي في يد نتنياهو، الذي أثبت خلال الأشهر الماضية تهرّبه من أي التزام أو تفاهم، وانغماسه في تحقيق مكاسب سياسية داخلية على حساب دماء الأبرياء في غزة. كما أن مدة التهدئة المقترحة لا تتجاوز 60 يومًا، مع حديث فضفاض عن “إمكانية التمديد”، دون أي التزام واضح من الوسطاء أو ضمانات أميركية أو دولية مُلزِمة.

لا انسحاب.. لا عودة نازحين.. لا أفق سياسي
في ظل هذه الصيغة، تغيب كل العناصر الجوهرية لأي حل مستدام: لا انسحاب فعلي لقوات الاحتلال، لا عودة آمنة للنازحين، ولا أفق سياسي واضح. بل تبدو الورقة محاولة لإعادة تدوير الأزمة، لا حلّها. وهي تتجاهل تمامًا واقع الاحتلال على الأرض، ولا تضع حدًا لسياسة القتل الجماعي والتجويع والتدمير الممنهج التي يتعرض لها المدنيون منذ أكثر من 600 يوم.

موقف حماس: صمت مدروس وانتظار اللحظة
حتى الآن، لم تُصدر حركة حماس موقفًا رسميًا تجاه الورقة، ما يشير إلى تعاطٍ حذر ومدروس. فمن الواضح أن الحركة بصدد فحص دقيق لتفاصيل المقترح، قبل أن تُقدّم ردّها في التوقيت المناسب. وهذا النهج يعكس حكمة سياسية وتجربة تفاوضية عميقة، بعيدًا عن ردود الأفعال المتسرعة.

خلاصة المشهد
ورقة ويتكوف بصيغتها الراهنة لا تصلح أساسًا لتفاهم حقيقي، ولا يمكن البناء عليها لتحقيق تهدئة إنسانية أو حل سياسي. بل هي محاولة لتجميل الانحياز الأميركي، وفرض صيغة تفاوضية تُعيد تموضع الاحتلال من دون أن تحمّله مسؤولية جرائمه. وفي حال تمّ تمريرها بصيغتها الحالية، فستُشكّل انتكاسة للمسار السياسي، وتكريسًا لمعادلة القوة الغاشمة بدلًا من منطق العدالة والحقوق.

إن مسؤولية الإدارة الأميركية لا تقف عند طرح المبادرات، بل تمتد إلى توفير ضمانات واضحة وملزِمة، تضمن وقف الحرب، ورفع الحصار، والبدء بمسار سياسي جاد، يرتكز إلى الحقوق الوطنية الفلسطينية، لا إلى مزاج نتنياهو وحساباته الداخلية.

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

كيف تعرف الجريمة الخليجية بحق الوطن العربي؟..انظر فقط إلى دونالد ترامب..

ترامب في مأزق..لأن الحرب الإيرانية طالت لشهرين؟..لا..لأنه لا يجد إجابة عسكرية على السؤال الأهم؟..وهو..كيف تحصل أميركا على المخزون النووي الإيراني؟..القوة العسكرية الأميركية...

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...