الأحد، 5 يوليو 2026
بيروت
26°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

اتفاق يرسّخ احتلال لبنان

لميس أندوني

يصرّ رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، في ردّه على معارضي اتفاق الإطار الذي وقعته حكومته مع إسرائيل، على أنّ البنود “لا تُشرعِن” الاحتلال الإسرائيلي لمناطق في لبنان؛ فوفقاً له “يؤكد الاتفاق الالتزام بسيادة لبنان”.

وهذا كلام غير دقيق تماماً، لأنه يهمل أن الاشتراط الإسرائيلي بأنّ إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي (وليس الانسحاب) يعتمد على نجاح الجيش اللبناني بسحب سلاح حزب الله والسيطرة التامة على مناطق حدّدتها إسرائيل.

وهو شرط ينسف مبدأ السيادة اللبنانية قولاً وفعلاً، ويطيل أمد وجود الجيش الإسرائيلي في لبنان، فإذا لم يكن هذا منح غطاء للاحتلال، فما هو تعريف الاحتلال برأي رجل القانون نواف سلام؟…

لا إشارة في الاتفاق إلى احتلال إسرائيلي أو انسحاب، فهو يعطي الحق لإسرائيل بأخذ قرار “إعادة الانتشار” بشرط نجاح الجيش اللبناني بإثبات حسن السلوك. وقد اعتدنا على هذا الموقف من إسرائيل حيال الفلسطينيين باسم أمن الدولة الصهيونية كما تحدّده هي… إذ يمتد الاحتلال ويتمدّد، ومن الموجع رؤية هذا في لبنان.

لم تكن البنود الاشتراطية مفاجئة؛ فقد كانت الاشتراطات إحدى ركائز البيان الثلاثي الأميركي الإسرائيلي اللبناني الذي سبق توقيع اتفاق الإطار، فالبيان ربط كل خطوة إسرائيلية يطالب بها لبنان، ومستندة إلى القانون الدولي، بتمكّن جيشه من إنهاء وجود حزب الله، فلا إشارة إلى قانون دولي وأطر قانونية، فالمرجعية تحدّدها إسرائيل وبدعم كامل من الولايات المتحدة.

ولعل أخطر ما في البيان التأكيد، بدون أيّ لبس أو غموض، أن حزب الله هو العدو المشترك؛ فإسرائيل تصبح صديقة وحليفة، واحتلال أراضٍ لبنانية لا يعتبر عملاً عدائياً. إنّ تأطير العلاقات بين إسرائيل ولبنان، باعتبار قوة داخلية هي حزب الله، عدواً، وقبول تحالف “الأمر الواقع” مع إسرائيل يجعل التخلص من حزب الله وليس الاحتلال الإسرائيلي هو الهدف الاستراتيجي، أي أنّ القوة الإسرائيلية التي تحتل أراضيَ لبنانية هي حليفة في معركة ضد حزب الله.

الغريب أن الاتفاق غير المنطقي يعطي شرعية لوجود الجيش الإسرائيلي، وأصبح مقبولاً من فئات لبنانية وعربية، كأنه يمثل خلاص لبنان، فيما إسرائيل على إصرارها على إقامة منطقتَين أمنيتَين عازلتَين في لبنان وسورية. الأغرب هنا ألّا ترى الحكومة اللبنانية أن كل شرط تصرّ عليه إسرائيل مقدّمة لإقامة المناطق العازلة، إذ، عملياً، تنفيذ الشق اللبناني من الاتفاق هو توطئة لإنشاء المنطق العازلة، التي سيسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، ما بيّنته في مقالي “فخ إخضاع لبنان للوصاية الإسرائيلية”
(“العربي الجديد”، 7/6/2026).

فما تسمى المناطق التجريبية، وهي التي لا يستطيع الجيش الاسرائيلي تنفيذ المهمة التي تحتاجها إسرائيل وأميركا فيها، أي ضمان إنهاء وجود حزب الله، هو اختبار عملي لقدرة الجيش اللبناني نيابة عنها، والأهم أنها عملياً تسلِّم هذه المناطق إلى الجيش الإسرائيلي، إذا ارتأت إسرائيل في ذلك ضرورة.

واضح أن نواف سلام يعتقد أن هذه الخطوات ستؤدي إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي، ولا نعرف على ماذا يستند، فإسرائيل مثلاً فرضت في آخر لحظة خلال نقاش المسودة النهائية للاتفاق ضم مناطق جديدة لتكون تحت قائمة “المناطق التجريبية”.

صحيح أن الوفد اللبناني اعترض، لكنه رضخ تحت ضغوط أميركية للمطالب الإسرائيلية الأميركية، في دليل آخر لا أخير على أنّ إسرائيل تسيطر على تشكيل الخريطة النهائية لنفوذها في لبنان.

السؤال مرة أخرى: إن لم يكن هذا اتفاقاً على ترسيم وصاية إسرائيلية أميركية، فماذا بقي من سيادة للبنان؟… المحزن أنّ النقاش تركز على نفوذ إيران، وهذا مشروع، ولكن النقاش عندما يخدم ترسيخ سيطرة إسرائيل على لبنان، يصبح الحديث عن السيادة والاستقلال كلاماً خالياً من الصدقية. لا يعني هذا تجاهل نفوذ إيران أو أيّ بلد آخر في لبنان، لكن سيادة لبنان لا تتحقق بقبول لاحتلالٍ وإملاءات إسرائيلية.

ما حدث في واشنطن العكس تماماً لما يُتوقع من مفاوض يرفض احتلال أرضه، بل وُضعت كل الأوراق بيد إسرائيل وأميركا، وجرى الوقوع في فخٍّ كان يمكن تجنّبه بمجرد فهم ما حدث في تجربة المفاوضات الفلسطينية مع إسرائيل.

هناك تشابهٌ كثير بين التجربتَين الفلسطينية واللبنانية، لكن الأولى بدأت بوجود الفلسطينيين تحت الاحتلال، احتلال مترسخ، بينما في لبنان نرى احتلالاً يبدأ بالترسُّخ في اتفاقية مشتركة. وهذا الكلام آتٍ من عمق الوجع الفلسطيني والخوف على لبنان…

فهناك في الاتفاق تعهدات من الجانبَين بالالتزام بعدم الإقدام على عمل عدائي، فما هو تعريف العمل العدائي فيما تستمر إسرائيل بالاحتفاظ بحقها بقصف لبنان؟

أي تكرار السيناريو الفلسطيني. وليس سراً أن ما تعنيه إسرائيل وأميركا عادة بهذا الطلب من جانب عربي يعني فيما يعنيه عدم الذهاب إلى المحافل والمحاكم الدولية، أي أنّ اسرائيل تجرّد لبنان من كل أسلحته، بما فيها المقاضاة على جرائمها، فمقاضاة إسرائيل في عُرف واشنطن وتل أبيب عمل عدائي، لم يبق إلّا أن تفرض إسرائيل على لبنان طلب موافقتها على أي اتفاق داخلي وخارجي يقدم عليه، فالوصاية لا تسمح حتّى بأشكال سيادية رمزية بدون رضاها.

لا يهدف هذا المقال إلى الهجوم على الحكومة اللبنانية، فالحكومات العربية الأخرى ليست أفضل، لكن الخوف على دولة عربية صار يُعدّ موقفاً راديكالياً مداناً. الخوف الآن على السلم الأهلي اللبناني، فاتفاق الإطار مع إسرائيل ليس انتقاصاً من سيادة لبنان فحسب، وإنما يمثل الخطر الأكبر على سلمها وأمانها.

والمتمنّى أن تتصرف كل الأطراف الداخلية اللبنانية بحكمة، وهذا يشمل الجميع بما فيهم حزب الله، وإنْ نعرف أن أطرافاً معلومة تؤيّد بل وقد تعمل مع إسرائيل.

قال نواف سلام، في مؤتمر صحافي، إنّ خيار المفاوضات جاء بديلاً بعد أن أثبتت مسارات الحروب السابقة عدم تحقيقها للأهداف. … ولكنَّ مَن شن الحروب إسرائيل، أما نحن فغير مسموح لجيوشنا أن تكون قوة ردع، ونذكّر سلام بأننا، نحن العرب، جربنا المفاوضات فلم تزدد إسرائيل إلا شراسة، ففي أي عالم يعيش؟

العربي الجديد

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

يقولون: إذا كبرتَ ستعرفُ كيف تُساومُ الوقتَ وكيف تُخبّئُ في جيبكَ بقايا النهارِ، وتُقنعُ الليلَ أنّ العمرَ ليس امتحانْ. لكنّني… كلّما عبرتُ جسورَ السنينِ وجدتُ الحقيقةَ...

حين يهتف الملعب لفلسطين... العلم الذي هزم الصمت

في زمنٍ تتكاثر فيه محاولات إسكات الحقيقة، يبدو أن الملاعب الرياضية أصبحت آخر المساحات المفتوحة التي تعجز السياسة عن مصادرة أصواتها. فبينما تُغلق المنابر أمام رواية الضحية، يرتفع...

من هو الشيخ عدنان الدنبوس؟

الشيخ عدنان الدنبوس يكشف عن معلومات خطيرة “توم باراك نقل الفرصة الأخيرة”.. المؤسسات الأميركية أبلغت دونالد ترامب بأن النظام السياسي العراقي أنتهت صلاحيته ويجب أن...

حين يشيخ الزمان ولا يهزم الوجع

حينَ يشيخُ الزمانُ… ويبقى الوجعُ طفلاً.. يرسم بالرمادِ خرائطَ البلادْ… ما بينَ عقلٍ يُقاسُ بما يُقالْ.. وقلبٍ يؤمنُ أنَّ للحجرِ مقال… وأنَّ للريحِ أسماءَ...

صناعة الفتنة: الاستراتيجية الصهيوأميركية لتفكيك لبنان... والعباءة الدينية حصنُ الوحدة الوطنية

لم يكن الاحتلال يومًا غايةً بحدّ ذاته، بل وسيلةً لإعادة تشكيل الجغرافيا والوعي والهوية بما يخدم مصالح القوى المهيمنة. وحين تعجز القوة العسكرية عن إخضاع الشعوب، تنتقل المعركة إلى...

دولة المؤامرات ترحب بانضمام لبنان إلى قائمة المعترفين بكيان الغاصب!

رحبت دولة المؤامرات بإعلان التوصل إلى اتفاق إطاري ثلاثي بين لبنان والكيان الصهيوني برعاية ودعم أمريكا، مثمنة “الجهود الدبلوماسية” “التي بذلها رئيس أمريكا ترامب...