الخميس، 25 يونيو 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

قطر... ضمير الإقليم وصوت الاعتدال

منذ السابع من تشرين الأول وحتى اليوم، لم يغب اسم دولة قطر عن صدارة المشهد الإقليمي. لم يكن ذلك لأنها طرفٌ في الصراع، بل لأنها اختارت أن تكون صوت العقل والوسيط الصبور في زمنٍ طغت فيه لغة السلاح.

إنجاز مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية: دبلوماسية تُوقف الحروب
في خطوةٍ مفصلية، نجحت الوساطة القطرية بالتعاون مع باكستان في رعاية الجولة الأولى من المحادثات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في منتجع بورغنستوك السويسري. ووصفت الدولتان الوسيطتان الأجواء بأنها “إيجابية وبنّاءة”.

وأسفرت المحادثات عن إنجازات ملموسة:
إنشاء “خلية تخفيف تصعيد” بين واشنطن وطهران ولبنان، هدفها ضمان “التزام إنهاء العمليات العسكرية في لبنان” وفق مذكرة التفاهم.
تشكيل “لجنة عليا” سياسية للإشراف على خارطة طريق للوصول إلى اتفاق نهائي خلال 60 يوماً.
فتح خط تواصل مباشر لتجنب الحوادث وتأمين الملاحة في مضيق هرمز.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أقرّ بدور الوساطة قائلاً: “الوساطة الباكستانية والقطرية الدؤوبة حققت تقدماً كبيراً لإنهاء حرب لبنان”.

تواصل الرئيس نبيه بري وإيفاد معاونه السياسي
لم يقتصر الدور القطري على رعاية الحوار بين الكبار. فقد كان لبنان حاضراً بقوة على طاولة الوساطة. وأكدت المصادر أن اتصالاً جرى بين الرئيس اللبناني جوزف عون ونائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس وجاريد كوشنر ورئيس وزراء قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بحث مسألة تثبيت وقف إطلاق النار ووقف التصعيد الإسرائيلي، وخطوات إنشاء خلية التنسيق.

وفي هذا السياق، كان للرئيس نبيه بري، بصفته رئيس مجلس النواب والممثل السياسي الأبرز للثنائي الشيعي، دور محوري في فتح قنوات التواصل. فقد حرصت الدوحة منذ البداية على إبقاء خطها مفتوحاً مع عين التينة، وتم إيفاد معاونه السياسي للتنسيق المباشر حول آليات التهدئة وضمان التزام الأطراف على الأرض. هذا التواصل جعل من “خلية تخفيف التصعيد” الثلاثية آلية عملية وليست مجرد بندٍ على الورق.

الغضب الإسرائيلي: لأن قطر اختارت إيقاف الحرب
لم يأتِ الغضب الإسرائيلي على ترامب وقطر من فراغ. فالاتفاق الجديد أخرج تل أبيب من غرفة القرار المباشر، وأسند ملف وقف النار بلبنان إلى آلية تشرف عليها أميركا وإيران ولبنان وقطر وباكستان.

ترامب نفسه عبّر عن استيائه من ضربة إسرائيلية على بيروت قبل ساعات من توقيع الاتفاق قائلاً: “لم تعجبني، أبداً”. ووصف جبهة لبنان بـ”الوخزة الصغيرة التي تبرز رأسها باستمرار” مقارنة بملف إيران.

منذ 7 تشرين الأول، أعلنت قطر أن أولوياتها منع انتشار الصراع لجبهات جديدة، وإيصال المساعدات، وإعادة الأسرى. واليوم تترجم ذلك عملياً بوقف نزيف الجنوب قبل أن يتحول إلى حرب إقليمية.

الوساطة القطرية بين ترامب وحزب الله: قنوات مفتوحة لا عناوين
الدور القطري في الإقليم قائم على قاعدة راسخة: “إبقاء جميع خطوط التواصل مفتوحة مع جميع الأطراف في جميع مناطق الصراع”. هذه العقيدة جعلت من الدوحة العنوان الأكثر قبولاً للوساطة غير المباشرة.

في إطار الجهود لترسيخ وقف إطلاق النار، جرت نقاشات مكثفة شملت كافة الأطراف المعنية على الأرض. وقد أشارت أوساط سياسية إلى أن الوساطة القطرية شملت جسّ نبض مواقف حزب الله من خلال القنوات الدبلوماسية المتاحة، في ظل حرص الدوحة على ضمان التزام الجميع بآلية “خلية تخفيف التصعيد” التي أقرتها مذكرة التفاهم.

كما ترددت أنباء عن زيارة وفد من الحزب إلى الدوحة في سياق التشاور حول المرحلة المقبلة وملفات الإعمار والسيادة. تؤكد قطر دائماً أن هدفها حماية سيادة لبنان وسلامته الإقليمية بالتوازي مع أمن إسرائيل، وهذا التوازن هو ما يمنح وساطتها القبول.

“الدرجة اللبنانية الثانية”: من وقف النار إلى بناء الدولة
الاتفاق ليس نهاية المطاف. فخارطة الطريق الممتدة لـ60 يوماً تتضمن مجموعات عمل فنية لمعالجة أصعب الملفات: البرنامج النووي، رفع العقوبات، وآليات المراقبة.

قطر اليوم لا تكتفي بوقف القصف، بل تمهد لـ”الدرجة اللبنانية الثانية”: دوحه رقم 2 مرحلة إعادة الإعمار، وتثبيت السيادة، وعودة الأهالي إلى قراهم الحدودية.
إضافة إلى ادخال تعديلات سياسيه ودستورية على اتفاق الطائف .

ومن غزة إلى سويسرا، أثبتت قطر أن الدبلوماسية ليست ضعفاً، بل شجاعة الكبار. قال الشيخ تميم للرئيس ترامب: “كلما طلب منا الأصدقاء المساعدة، نحن دائماً موجودون”. ولبنان اليوم من هؤلاء الأصدقاء.

الإشادة بالدور القطري ليست مجاملة، بل إنصافٌ لدولةٍ آمنت أن دم الإنسان أغلى من أي مكسب تكتيكي.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

زهرة النيل: الموت البنفسجي الذي يغتال دجلة والفرات

لم يعد ظمأ الرافدين رهناً بانحسار المطر، أو تقلبات المناخ، أو حتى غياب الرؤية في إدارة الموارد فحسب؛ بل برز من رحم هذا الجفاف غولٌ بيئي يرتدي ثوب الجمال، يُدعى “زهرة...

السيادة ليست انتقائية

السيادة ليست شعاراً يُرفع في مواجهة طرف ويُخفَّض أمام طرف آخر. فالدولة التي ترفض أن يتحدث أحد باسمها، يجب أن ترفض أيضاً أن يُملى عليها قرارها أو أن تُفرض عليها خياراتها السياسية...

مذكرة التفاهم.. تنازلات أميركية غير متوقعة

دخلت الولايات المتحدة الحرب الأخيرة ضد إيران بأجندة واسعة، شملت الملف النووي والصاروخي والنفوذ الإقليمي، مرت دخلت الولايات المتحدة الحرب الأخيرة ضد إيران بأجندة واسعة، شملت الملف...

حكومة مدنية بغطاء سياسي.. المقاربة السعودية الجديدة لحل الأزمة السودانية

لم تعد السعودية تتعامل مع الحرب السودانية بوصفها أزمة تحتاج إلى وساطة أو جولات تفاوض جديدة. فبعد سنوات من القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتعثر المبادرات الإقليمية...

الجزء الثاني التشيع المذهبي والتشيع العلمي في الإسلام – التشيع العلمي

التشيع العلمي : ذلك الذي دفع فريقاً من المفكرين الكبار والعلماء المختبريين الى الكشف عن سر المادة وسر الحياة وباعثهم الى ذلك الإيمان العميق بالإسلام وحق آل البيت ، والعمل على...

الشرع بين جبهتين: حسابات التعقيد السوري والإسرائيلي واللبناني

يقف أحمد الشرع اليوم أمام معادلة جيوسياسية بالغة التعقيد، تحكمها أربعة محاور متداخلة: الداخل السوري، الضغط الإسرائيلي في الجنوب، احتمال الانزلاق نحو مواجهة مع لبنان في الغرب،...