ما كدتْ انتهي من قراءة رسالة استاذنا الكبير ” حسن صبرا ” المؤرخ المتألق للمحطات العربية الأصيلة الطاهرة ، يحكي فيها عن صبيحة اليوم الخامس من حزيران ١٩٦٧ زمن النكسة العربية بحرب صَنع الغرب توقيتها ونفّذتها شرذمة من غباء او خيانة لإرباك تطلعات الزعيم عبدالناصر و ثنيه عن أهدافه ، و كان المظلوم الذي تحمّل كامل المسؤولية بلقطات متلفزة باكية حيث ختمها بالاستقالة من جميع مناصبه ، ذلك القرار الذي اجهضته جماهير مصر و الأمة العربية بصوت واحد ” ح نكمل المشوار .. معك ” .
و لم يعترف الظالم المخطِط للنكسة .
يومها التقى استاذنا بسيّدي الوالد يرحمه الله ” الملحق الثقافي برتبة سفير في القاهرة ” لضرورة وضع خاتم السفارة على جواز سفره” ..
و في الرسالة النبيلة من استاذنا لفتة حكمة و تقدير و ثناء على كتاب والدي ” إسلامنا في التوفيق بين المذاهب الإسلامية ” مستعرضا خوفه الاستشعاري من فتنة بين السنة و الشيعة تحديدا ، و للتوكيد ان الكتاب صدر قبل عقود اي قبل اى تحرك او موقف او محطة تشير لفتنة ، فالاوضاع ساعتها مستتبة و معظم قيادات العمل السياسي العربي كانوا من جماهير الطائفتين غير ان العلاّمة د. مصطفى الرافعي المْراقِب الحذق لتطور العمل السياسي و الحذِر من استعمال المذهب لكسب مناصب او انتماء يغيّر بوصلة سماحة الدين السماوي ..
و في العودة لبداية الكلام حيث انتهيت من تمعّن و تفحّص الرسالة هاتفني بعدها نسيب و صديق عروبي حتى نقىَ العظام و لم يزل مسكونا و معتّقا من شذى العروبة يعيشها كنَفسٍ شهيقُه حُرّ و زفيره حُر ّ لان الرئة العربية لا تحمل مفسدات ، و شعرت ُ ان الصديق على عجلة لانه سيشارك بالأمس فعالية جماهيرية عربية في طرابلس تشجب و تستنكر موافقة الكنيست اليهودي على إعدام آلاف الفلسطينيين أصحاب الأرض المباركة ، و استهجانا لاقفال بوابات المسجد الأقصى و خاصة طيلة شهر رمضان و ايام العيد وما تلاها، و للتذكير ان غزة درّة التاج النضالي الاسلامي و العربي ما تزال قيد الابادة ، و التذكير من خطورة الإعتراف بالكيان المغتصِب . بعد الحفل سألته عن كلمته فقال بإيجاز ” لقد استنهضتُ من ذاكرة التاريخ لاءات الخرطوم في مؤتمر القمة العربية الرابع حيث أطلقها الرئيس عبد الناصر ” لا صلح ، لا مفاوضات و لا اعتراف بالعدو الغادر ” .. لان ديْدنهم نكث العهود وكما فعلها يهود قريظة و خيبر مع النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فعلوها قبل ان يجف حبر توقيعهم ” ….
و اللافت ان مؤتمر الخرطوم عُقد بعد شهرين من النكسة أرادوها انتهاء المد العربي و نسيان استرجاع فلسطين و الذي قالها هو العائد عن الاستقالة حيث قال في يوم ” فلسطين بالإستعداد ” ، ليبقى على نضاله فتبدأ حروب الاستنزاف و انهاء الاسطورة القتالية لترسانة ” ام رشراش “( ايلات بالعبري) و استحضارا لتحرير الضفة و سيناء و صولا الى قضية الأمة العربية المركزية و ما زالت عودة فلسطين لأهلها.
العربي لا ينسى و لو صار هرِما يتكئ على عصا الثبات …
… و في حياتنا الحرجة تمادت الغطرسة الصهيونية المزوّدة بأخطر السلاح من انظمة الغرب وماله و كادت الفتنة التي اوقدوا نارها منذ سنين فأحالها الله تبارك و تعالى رماداً يزيد عمى شياطينها ، وخاصة في أيامنا الأخيرة وفق مخطط شيطاني ضرب مناطق اهل السنّة في بيروت والبقاع الغربي بغية إشعال شرارة جديدة كادت ان تشتعل لولا الغوث الربّاني الذي اطفأها بلطفه ، فحلم العدو استفزاز الشارع السنّي وادخاله عنوةً في خصومة بالغة اشفار الفتنة..
هذه المقاربة كإستذكار الاستاذ حسن صبرا لمؤلَف ” اسلامنا ” في التوفيق و التقريب بين المذاهب الإسلامية و شعوره بالخطورة و من ثمّ العودة إلى قراءة متأنية بمضمونه …
و ” اسلامنا ” قد نفدت طبعته الثالثة و بكل اسف توقفت المطبعة التي أشرفت عليه و ضياع كامل للأرشيف الموثّق وان شاء الله سنعمل على إعادة الطباعة و لو نقلناه حرفاً حرفاً عن نسخة مستعارة لأنني فعلا قدّمت آخر نسخة لديّ لمكتبة عامة .
(الفتنة اشد من القتل) لان مفاعيلها ستستنبط مشاهد داحس و الغبراء وحرب البسوس بنسخة الذكاء الاصطناعي…
و في كلمة كتبتها سابقا “اود ان يخرج المشاهد العربي من استاد الملعب كمتفرج ، و ان لا يكون ضمن الفريق الاحتياطي، اود في مونديال افتراضي ان نربح كأس النجومية لوأد خلافاتناو الكفّ عن إصدار الأحكام المنوطة حصريا بربِ العالمين، و يا ويلنا ان حوسِبنا يومها عمّا كنّا نقرأ و لا نفعل ( إنما المؤمنون أخوة ) ..
وفي كلمتين اخيرتين كم كانت سعادة والدي في نقل ذكرياته عن مصر و عبد الناصر عبر صفحات ” الشراع” ، و كم كنت سعيدة عندما علمتُ ان الأستاذ حسن صبرا تطوع يوم الخامس من حزيران مقاتلا مع كوكبة من زملائه مع جنود مصر في سيناء و ليس حارسا على جسورها …
الفتنة نائمة. .. لعن الله من ايقظها …


