إذا كانت الفتنة مرضاً أصاب مجتمعاتنا، فإن الخلاص منها يحتاج إلى مشروع وطني متكامل، لا إلى ردود فعل مؤقتة.
المسؤولية الأولى تقع على الدولة ومؤسساتها، ثم على الإعلام، ثم على كل فرد في المجتمع. ولكل طرف دوره في تحديد مسار سليم لتقويم المجتمع على أسس وطنية خالصة.
أولاً: الدولة ومؤسساتها
أمام الدولة مجموعة خطوات أساسية يمكن أن تشكل بداية حقيقية في طريق تجاوز الأمراض الفئوية.
أولى هذه الخطوات تعديل المواد الدستورية التي تتضمن بنوداً فئوية، والعمل الجدي على الانتقال من النظام القائم على المحاصصة والانتماءات الطائفية إلى دولة المواطنة.
وفي لبنان، على سبيل المثال، تنص المادة 95 من الدستور، التي عُدّلت بموجب اتفاق الطائف عام 1989، على اعتماد المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في الوظائف العامة والفئة الأولى، مع اتخاذ الإجراءات الملائمة لإلغاء الطائفية السياسية تدريجياً. لكن هذه الخطوات لم تُستكمل حتى اليوم.
ثانياً، لا بد من إلغاء الامتيازات التي تُمنح لفئة على حساب فئات أخرى، لأن الامتيازات غير العادلة تولّد شعوراً بالظلم، والظلم المتراكم يمكن أن يتحول إلى أرض خصبة للفتنة والنزاع.
وفي المقابل، يجب اعتماد الكفاءة والقدرة معياراً أساسياً للوصول إلى الموقع المناسب، وفق قاعدة: الإنسان المناسب في المكان المناسب.
ثالثاً، يجب العمل على إلغاء الإشارة المذهبية أو الطائفية أو العرقية من الهوية الشخصية، بحيث يصبح المواطن أولاً مواطناً، لا رقماً في خانة طائفية أو مذهبية.
رابعاً، لا بد من محاسبة كل من ارتكب جرائم بحق الوطن والمواطن من خلال محاكم علنية وعادلة، مع الاستفادة من تجربة محاكم «غاتشاتشا» في رواندا بما يتناسب مع طبيعة مجتمعاتنا وقوانينها.
خامساً، لا بد من تفعيل قضاء نزيه وعادل، تكون مصلحته الأولى حماية الوطن والمواطن، ويتولى ملاحقة كل من يثبت أنه يبث الفتن أو يعمل على ضرب وحدة المجتمع، بعيداً عن الانتقائية والاستنسابية.
سادساً، ينبغي إطلاق حملات وطنية وإعلانية رسمية ومدروسة عبر وسائل الإعلام المختلفة، إضافة إلى اللافتات والرسائل العامة التي تحذر من مخاطر التفرقة وتحفز على الحياة المشتركة ووحدة الصف الوطني.
سابعاً، يجب وضع إطار قانوني واضح لمواجهة كل حزب أو تيار أو مؤسسة أو جهة تتعمد ضرب الوحدة الوطنية وبث الفتن، على أن تكون الملاحقة قانونية وعادلة وغير جزافية.
ثامناً، يحتاج الإعلام المرئي والمسموع ووسائل التواصل الاجتماعي إلى قدر أكبر من المسؤولية. ولا يعني ذلك تقييد الحريات، بل منع التحريض المتعمد على الكراهية والفتنة ضمن قانون واضح وقضاء مستقل. يبدأ الأمر بالإنذار والتصويب، ثم تأتي الملاحقة القانونية عند الإصرار على المخالفة.
تاسعاً، يجب مواجهة الإشاعات والأخبار المزيفة بكل الوسائل المتاحة، وتصويب الرأي العام نحو المعلومات الصحيحة.
وهنا يعود دور التعليم.
فالمناهج التعليمية تحتاج إلى مراجعة حقيقية لبناء أجيال تتجاوز الفئة والفتنة، ويمكن الاستفادة من تجربة رواندا في كتابة تاريخ وطني موحد ونزيه، شرط أن يتولى ذلك مؤرخون صادقون ومستقلون، بعيداً عن التوظيف السياسي للتاريخ.
كما يمكن إدراج تجربة رواندا نفسها ضمن المناهج التربوية كنموذج لدولة استطاعت الانتقال من الإبادة والانقسام إلى المصالحة وإعادة بناء الدولة.
ثانياً: الإعلام ودوره
أصبح الإعلام القوت اليومي للإنسان، ولذلك فإن الإعلام المسؤول هو الإعلام الذي يخاف على وطنه.
وعليه، تقع على وسائل الإعلام مسؤوليات كبيرة، أبرزها:
بث روح الوحدة بين أبناء الوطن، وتسليط الضوء على المبادرات الوطنية الجامعة والعابرة للطوائف والمذاهب والفئات والعشائر والقبائل.
كما يجب الامتناع عن بث أي خبر أو مادة إعلامية من شأنها تعزيز الفتنة أو شحن الناس ضد بعضهم البعض، والعمل بدلاً من ذلك على إنتاج برامج توعية تسلط الضوء على خطورة الانقسامات وتشرح تبعات الحروب والفتن على الإنسان والوطن والمجتمع.
ويجب أن تكون هناك مساحة دائمة للإعلانات والرسائل الوطنية التي تدخل في إطار حملة شاملة لتحصين المجتمع من الانقسامات.
ثالثاً: مسؤولية الفرد
لا يمكن بناء مجتمع سليم إذا بقي كل فرد ينتظر من الدولة والإعلام والآخرين أن يبدأوا التغيير.
على كل فرد أن يعمل أولاً على التخلص من هذا المرض على المستوى الشخصي، من خلال التدريب المستمر على ضبط الانفعال، واحترام الآخر، ورفض التمييز، وعدم الانجرار وراء خطاب الكراهية.
وعلى مستوى المجتمع، يبدأ الدور من الأسرة والأهل والأولاد، ثم المدرسة والمعلم، وصولاً إلى المحيط الاجتماعي بأكمله.
فلكل هؤلاء دور أساسي في التوعية، وبالتالي في تحصين المجتمع من الانزلاقات غير المحمودة.
ولكي تكون الرسالة جامعة وتصُب في مصلحة الوطن، لا بد من التشديد على التدريب النفسي والأخلاقي حتى يصبح المواطن عنصراً إيجابياً ومؤثراً في مجتمعه، وفق قاعدة بسيطة وعميقة: «ابدأ بنفسك ثم بأخيك».
الخلاصة
إذا كان العدو يتربص بنا وينهش بمجتمعاتنا، فإن مسؤوليتنا الأولى تكمن في معالجة نقاط الضعف التي سمحت له بالنفاذ إلينا.
فالفتنة لا تسقط من السماء، وإنما تنمو في بيئة تسمح لها بالانتشار، وتكبر عندما يتحول الاختلاف إلى كراهية، والكراهية إلى تحريض، والتحريض إلى عنف.
لذلك، فإن معالجة هذا الداء تحتاج إلى جهد وطني موحد وجبار، تشترك فيه الدولة ومؤسساتها، والإعلام، والمدرسة، والأسرة، والفرد.
لا بد من بناء دولة تحمي مواطنيها بالعدل، وإعلام يحمي المجتمع من التحريض، ومناهج تبني الإنسان قبل أن تبني المعلومات، ومواطن يبدأ بنفسه قبل أن يطالب الآخرين بالتغيير.
الطريق ليست معبّدة بالورود والياسمين، لكنها ليست مستحيلة.
وتجارب الدول التي خرجت من الحروب والانقسامات والإبادات، وفي مقدمتها رواندا، تقدم دليلاً واضحاً على أن المجتمعات قادرة على النهوض من تحت ركام الماضي، شرط أن تمتلك إرادة حقيقية للمصالحة، وعدالة لا تستثني أحداً، وتربية تصنع أجيالاً لا تحمل أحقاد الماضي إلى المستقبل.
فالخلاص من الفتنة يبدأ عندما يصبح الوطن أكبر من الطائفة، والإنسان أكبر من هويته الفئوية، والعدالة أقوى من الانتقام، والمستقبل أهم من أحقاد الماضي


