الإثنين، 15 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الوقت من ذهب

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى
قال الله تعالى:{تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شىءٍ قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيُّكم أحسنُ عملًا وهو العزيز الغفور } سورة الملك.
“الوقت من ذهب” كثيرًا ما تتردد هذه العبارة على الألسنة وكثيرًا ما نسمعها من الناس على اختلاف طبقاتهم وهي دالَّةٌ على أهمية اغتنام الوقت والاعتناء به بدل هدر الأنفاس فيما لا خير فيه وضياع الساعات في اللهو واللعب، فقد خلق الله تعالى الموت المزيل للحياة والحياة التي هي ضد الموت ابتلاءً منه للعباد أي اختبارًا لهم واختبار الله للعباد هو تمييز أمرهم وإظهاره للخلق وهو تعالى عالمٌ في الأزل بأحوال عباده جملةً وتفصيلًا، وبالتالي: فإن عين الحكمة أن تهتم للوقت فتنظر كيف تستفيد منه غاية المستطاع فتقدم لنفسك عملًا طيبًا فإن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما بما ينبغي وإذا ما كان عمُرُ الإنسان لا يسع كل شىء ونرى أناسًا يأملون العيش طويلًا ويطمحون أن يصيروا إلى كذا وأن يفعلوا كذا فإذا بالموت يخترمهم قبل تحقيق مآربهم فيفضون إلى الآخرة صفر اليدين فالعاقل إذًا من قدَّم في حياته الأهم ثم المهم فإن أدركه الموت قبل تحقيق كل آماله يكون قد فاز بالأهم وذهب من كل شىءٍ بأحسنه.
ونظرًا لأهمية الوقت فقد عقد الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في كتابه “صيد الخاطر” فصلًا سمَّاه “المحافظة على الوقت” وإذا ما عُلم هذا فنقول:
لقد تفضَّل الله تعالى على عباده بنعمٍ كثيرةٍ وآلاءٍ عظيمةٍ وإن الناظر في أحوال هذا العالم الفسيح يجد أن كل شىءٍ فيه مرتبطٌ بمواقيت ومواعيد معينة، فشعائر الدين كالصلاة والزكاة والصوم والحج ترتبط بوقت محدود والحياة والموت وأعمال الناس بل حتى القيامة واليوم الآخر كل ذلك بمقدار وزمنٍ قال الله تعالى:{وكلُّ شىءٍ عنده بمقدار} سورة الرعد.
قال ابن جرير في “جامع البيان” “أي والله قد حفظ عليهم رزقهم وآجالهم وجعل لهم أجلاً معلومًا” وقد أقسم ربنا جلَّ وعزّ بأشياء تدلُّ على الوقت والزمان. فقال تعالى:{والفجر وليالٍ عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر} سورة الفجر. وقال:{والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلَّاها والليل إذا يغشاها} سورة الشمس. وقال:{والضحى والليل إذا سجى} سورة الضحى. وقال أيضًا:{والعصر} إلى غير ذلك مما يدل على زمانٍ معلومٍ عظيم والله لا يُقسم إلا بعظيم، وحقيقة الأمر أن هذه المواقيت للناس تجري بأعمارهم وتقع فيها أعمالهم سواءٌ منها الخير والشر ثم ينالون في الآخرة ثمرة ما زرعوا في دنياهم.
ومن تأمل مجريات الأحداث في هذا الكون الكبير أيقن أنه من صنع إلهٍ قادرٍ عالمٍ حكيمٍ خبيرٍ، فالليل والنهار منتظمان، والشمس والقمر لهما نظام، وكذلك الشهور والسنوات وفصول السنة وحركات النجوم في الفلك وتطور حياة الناس من طفولة إلى شبابٍ إلى كهولةٍ إلى شيخوخة، ولا يزال الزمان يكرُّ والأوقات تمضي إلى أن يرثَ الله الأرض ومن عليها ويؤول الناس إلى الآخرة في وقتٍ لا يعلم متى وقوعه إلا الله.
وعمر الإنسان هو رأس ماله الذي يُنفق منه ومهما كثُر فهو قليل ومهما طال هو قصير، ولقد قيل: “يا من عمره كلما زاد نقص” والآمال تقطعها الآجال والأيام سريعة الزوال فسرورها فانٍ وحزنها ذاهبٌ وأهلها راحلون عنها بما قدموا فيها.
وقد عرف سلفنا الصالح ومن بعدهم من أهل الفضل والتيقظ قيمة الوقت فحافظوا عليه، وحرصوا على اغتنامه في الأعمال الصالحة فجعلوا الدنيا لجةً وصالح الأعمال سُفنًا يعبرون بها إلى اليوم الموعود، وفي ذلك روي عن الإمام الحسن البصري أنه قال: “أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم” وجهل أو تجاهل ناسٌ قيمة الوقت فأفنوا أعمارهم وأيامهم في اللهو والمجون وغرهم الأمل فاستكانوا لوسوسة الشيطان فهلكوا مع الهالكين.
وإذا ما كان الوقت على هذه الأهمية الفائقة وكان الزمان الذي ينقضي لا يعود والحال كما قال الشاعر:
وما المرء إلا راكبٌ ظهر عمره على سفرٍ يُغنيه باليوم والشهر
يبيت ويضحى كل يومٍ وليلةٍ بعيدًا عن الدنيا قريبًا من القبر فلينظر ما الذي ينفعه ليشغل وقته به.
اغتنام الوقت

فالوقت من ذهب ومن لم يشغله بطاعة الله ذهب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”اغتنم خمسًا قبل خمسٍ شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شُغلك وحياتك قبل موتك” رواه الحاكم في المستدرك.
وإن أنفس ما تُصرف فيه الأوقات العلم والعمل، والعاقل من استفاد من عنفوان الشباب قبل ضعف الشيخوخة ومن قوة الصحة قبل الفتور والمرض وقدم المال لآخرته قبل أن تأكله آفات الدنيا وعلم أن أنفاسه معدودة فاستفاد من فرصة العمر الذي وهبه الله تعالى له، فقد رُئي الإمام أحمد يحمل المحبرة ويذهب إلى بعض الشيوخ بعدما تقدمت به السن فقيل له: ما هذا وأنت أنت؟ فقال:”المحبرة إلى المقبرة” وروي عن ابن مالك أحد أئمة النحو أنه حفظ ثمانية أبياتٍ في النزع فكان أحدهم يلقيها عليه وهو يصغي له حتى حفظها وهو في الموت، وقام أبو حنيفة الليل أربعين سنة يُصلي الصبح بوضوء العشاء، وجاء عن ابن عقيل الحنبلي أنه قال: “إني لا أضيع ساعةً من عمري حتى إذا تعطّل لساني عن مُذاكرة ومناظرة وبصري عن مُطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح فلا أنهض إلا وقد خَطَر لي ما أُسطِّره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عمر الثمانين أشد ما كنت أجده وأنا ابن عشرين”.
والأمثلة على ذلك كثيرة وطويلة وأغلب كبارنا وصغارنا ورجالنا وشبابنا وبناتنا اليوم يقضون أوقاتهم وساعاتهم وأيامهم ولياليهم فيما لا خير فيه فتذهب الأوقات سدىً أو في معصية الله، بل قد صار للناس أوقاتٌ معلومة اتخذوها مواسم لعصيان رب العالمين بدل النظر في مواسم الخير التي جعلها الله في حياة الناس لاقتناص أوقاتها بكل خير، فيا ضيعان الأوقات والساعات. والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الهجرة النبوية... حين يصنع الإيمان التاريخ العظيم

ونحن نستقبل نفحات العام الهجري الجديد ، وتقف أرواحنا في رحاب ذكرى الهجرة النبوية المباركة ، تتجه الأبصار إلى ذلك الحدث الهائل الذي شكّل منعطفًا خالدًا في مسيرة الدعوة الإسلامية،...

من معاني الهجرة الشريفة

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى: قال الله تعالى في القرآن الكريم :{إلا تنصروه فقد نصره الله إذ اخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن...

ظهر الفساد فالزم السَّداد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} سورة الروم. قد ظهر...

في كل كبدٍ رَطْبةٍ أجرٌ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} سورة الحج في الآية تأكيدٌ على فعل الخير وهو شاملٌ لأداء الواجبات واجتناب...

رسالة إلى مريد الحج

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم: :{ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنيٌ عن العالمين} سورة آل عمران....

لغضب غول الحلم

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وإذا ما غضبوا هم يغفرون} سورة الشورى. وعن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني، قال: “لا تغضب...