في منتدى دافوس الأخير، لم يُطرح «السلام» كغاية بحدّ ذاته، بقدر ما جرى توظيفه كأداة لإعادة هندسة المنطقة. مجلس السلام الخاص بغزة، الذي انضمّت إليه 37 دولة، قُدِّم بوصفه مظلة دولية واسعة، غير أنّ غياب تمثيل أوروبي وازن عنه يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة: أي سلام يُراد؟ ومن يضع شروطه؟ ومن يمتلك قرار تنفيذه؟
اللافت أنّ هذا المجلس لا يسلك الطريق السياسي التقليدي، بل يقدّم نموذجاً بديلاً يدمج السياسة بالاقتصاد، ويحوّل الاستقرار إلى مدخل للاستثمار، والاتفاقات إلى وعود تنموية. مقاربة تعكس بوضوح الذهنية التي روّج لها دونالد ترامب: سلام تُؤسَّس ركائزه بالمال لا بالحقوق، وبالمشاريع الاقتصادية لا بمعالجة جذور الصراع. وفي هذا السياق، تبدو الاتفاقيات الإبراهيمية جزءاً من الخلفية الفكرية التي يُعاد إحياؤها بصيغ جديدة.
وسط هذا المشهد، لا يبرز لبنان كطرف يمتلك هامش قرار مستقل، بل كحلقة في سلسلة إقليمية مترابطة، يتقاطع مصيرها مع سوريا، ومع الصراع مع إسرائيل، ومع مآلات المواجهة المفتوحة مع إيران. من هنا، لا يمكن قراءة الحديث عن منطقة اقتصادية في جنوب لبنان بمعزل عن منطق «السلام مقابل الاستثمار»، ولا عن محاولات إعادة تعريف الدور الجغرافي والوظيفي للبنان في المرحلة المقبلة.
غير أنّ لبنان لا يدخل هذا المسار من موقع الشريك الواثق، بل من موقع المترقّب القَلِق. أعمال لجنة الميكانيزم متوقفة، القائد الأميركي غادر البلاد، فيما تواصل إسرائيل تنفيذ خطتها الميدانية بلا انقطاع، وكأنّ عامل الوقت يصبّ في مصلحتها، بانتظار تحوّل إقليمي حاسم قد يبدأ من طهران أو يُدار عبرها. في المقابل، يبدو القرار اللبناني ضعيفاً، عالقاً بين الضغوط الخارجية والانقسام الداخلي، وعاجزاً عن تحويل أي مبادرة دولية إلى مكسب سيادي فعلي.
المفارقة أنّ كل ذلك يجري تحت عنوان «السلام» بوصفه وصفة خلاص، وكأنّ المنطقة لم تختبر سابقاً نتائج سلامٍ مختلّ التوازن. التجربة اللبنانية تحديداً تُظهر أن أي استقرار لا يقوم على اعتراف صريح بالحقوق، سرعان ما يتحوّل إلى هدنة هشة، أو إلى استثمار فوق أرض غير مستقرة.
لبنان اليوم لا يحتمل مزيداً من الأوهام. اللبنانيون لا يعنيهم عدد الدول المنضوية في أي مجلس سلام، بقدر ما يهمّهم أثر هذا السلام على حياتهم اليومية، على حدودهم، على اقتصادهم، وعلى سيادتهم. يتساءلون إن كانوا سيُستخدمون مجدداً كورقة تفاوض في سوق إقليمي مفتوح، أم أنّ هناك نافذة – ولو ضيّقة – لوعي وطني يعيد رسم موقع لبنان في هذه الخريطة المتبدّلة.
في دافوس، تُناقَش المنطقة بلغة الاستثمارات والمؤشرات المالية. في لبنان، تُعاش بلغة الترقّب والقلق. وبين اللغتين، فجوة لا تردمها مجالس سلام ولا مؤتمرات دولية، بل قرار سياسي داخلي لم تتوافر شروط ولادته بعد.


