السبت، 13 يونيو 2026
بيروت
27°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

ثم جاءت حقبة القومية العربية باتجاهاتها التقدمية وتوجهاتها العالمية

من السهل على أي مراقب لتاريخ العرب الحديث أم يجد نفسه أمام مراحل متعاقبة تكاد تكون محددة تحديداً دقيقاً ، كانت هناك الحقبة الاستعمارية ، حينما كانت بريطانيا وفرنسا تحاولان بكل جهد تخاطف النفوذ في ارث الإمبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط ، ثم جاءت حقبة الوطنية طلباً للاستقلال ، وقد سقطت هذه الحقبة بعجز الطبقة المتوسطة الجديدة بعد الاستقلال عن المحافظة على جوهر هذا الاستقلال وعن التقدم به الى أي بعد اجتماعي .

ثم جاءت حقبة القومية العربية باتجاهاتها التقدمية وتوجهاتها العالمية ، وقد تلقت هذه الحقبة صدمة بهزيمة 1967 ، والمحزن أن حرب أكتوبر كان يمكن أن تعيد اليها كل ما فقدته وتمنحها قوة اندفاع مضاعفة ، لكن خذلان السياسة لما حققه السلاح أدى بهذه الحقبة الى السقوط الكامل في أواخر عهد السادات ، فقد انتهى الأمر بصلح منفرد بين القوة العربية الكبرى  وبين إسرائيل بدون أن يتحقق السلام الكامل والعادل في المنطقة .

ثم جاءت بعد ذلك الحقبة الرابعة في العصر الحديث ، وهي المرحلة التي يمكن تسميتها بالحقبة السعودية ، والتي انعقدت آمالها على مقدرة السعودية – بمالها ونفطها – أن تضغط على الولايات المتحدة لكي تضغط على إسرائيل حتى تحد من خططها التوسعية ، فكان كل الضغط الذي مارسته الولايات المتحدة كان في الواقع ضغطاً على أصدقائها العرب وليس على إسرائيل .

وبقيت ( الحقبة السعودية ) تحاول بدورها لتفسح الطريق أمام الجهود التي تبذلها القيادة السعودية للوصول الى الأهداف المطلوبة للسلام العادل في المنطقة  – وللخروج (مع الأسف الشديد ) من الحقبة الخامسة المسيطرة الآن في المنطقة وهي الحقبة الامبراطورية الإسرائيلية ، وهي حقبة محكوم عليها سلفاً بكل حقائق التاريخ والجغرافيا بالفشل ، ومع ذلك فإن هذه الحقبة الجديدة مع كل مهانتها للعرب سوف تثبت أن ضررها الأكبر سوف يلحق بالغرب وبالولايات المتحدة ربما أكثر من العرب ، وقد حدد قادة إسرائيل خريطة لمطامع إسرائيل السياسية التوسعية بوضح مخيف وكأنهم يكتبون الوصية السياسية لقيصر الجديد .

فحددوا أن مدى عمل إسرائيل يمتد الى ثلاثة حدود تتسع خطوط كل منها واحدة بعد الأخرى : هناك أولاً الخط الذي يمثل مدى العمل المباشر وهذا يشمل سوريا ولبنان والأردن بما فيه الفلسطينيين ، وهذا الخط ينبغي أن يكون تحت سيطرة إسرائيلية دقيقة ، ووراء ذلك كله هناك حد الأفق الثاني لمدى العمل الإسرائيلي وهو يشمل السعودية والعراق ومنطقة الخليج ، وهو خط ينبغي على إسرائيل أن تتابع ما يجري فيه بعناية ، وأن لا تدع شيئاً من يمر من وراء ظهرها ، وأما مدى العمل الثالث والأخير :

فهو من وجهة نظر زعماء إسرائيل وخططهم ضرورة أم يتأكد النفوذ الإسرائيلي على كل الخط الممتد من شرق البحر الأبيض المتوسط حتى المحيط الهندي ، بما في ذلك تركيا وايران وباكستان ، وفي هذا الخط يجب أن تكون إسرائيل القوة ذات النفوذ الغالب .

ان هذه الأحلام كلها لا تتحقق بدون الاعتماد على الولايات المتحدة فهي مصدر القوة المادية والاقتصادية والعسكرية لإسرائيل والا فليس هناك من سند فعلي لهذه الدعاوي سوى استخدام محظور السلاح النووي ، وهو في خاتمة المطاف عقيم ، واي حلم لا تسنده قوة حقيقة بشرية واقتصادية ووجود تاريخي وجغرافي حقيقي وفعلي وليس اسطوري ، كفيل بان يتراجع من عالم الحلم الى عالم الوهم ، ومن عالم الوهم الى عوالم الجنون ، وهو في النهاية مؤدٍ الى تدمير أصحابه مهما تمادوا ، ولقد بدا ذلك الاحتمال – احتمال تدمير النفس بجنون القوة واضحاً لرواد الحركة الصهيونية وآبائها الروحيين ، وفي مقدمتهم ناحوم غولدمان الذي قال قبل موته :” إن إسرائيل قد افترست روح الصهيونية ودمرت تراثها .

ان الحقبة الإمبراطورية الإسرائيلية سوف تكون مختلفة عن غيرها من الحقب الامبراطورية ، لأنها لا تملك أساساً يمكنها من إعطاء شيء انساني أو حضاري لمن حولها أو للتاريخ ، ولقد كانت الإمبراطورية العثمانية أو البريطانية أو الفرنسية تملك وراءها قرون من تحقيق الذات ومن التطور السياسي والاقتصادي ، ومن الثقافات والمهارات المتوارثة والقيم التي يمكن ولو نظرياً أن تعطيها للآخرين ، كما أن هذه الامبراطوريات كانت تملك التزاماً قانونياً وسياسياً تجاه من حاولت أن تبسط عليهم سيطرتها .

ثم أن ذلك كله كان في مرحلة مختلفة من التاريخ ( في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين ) وليس في هذا كله عنصر من العناصر متاح لإسرائيل ، فهي لا تملك أي واحدة من مقومات نشوء قوة امبراطورية ، انها هي نفسها لا تملك الإحساس بأمنها ذاته …. وهي لا تملك أي شيء سوى أنها كيان عصبي بالطبيعة ليس أمامه غير سلاحين لبسط سيطرته : الابتزاز ، والإرهاب – دولة قامت على الإرهاب وتحاول إقامة امبراطورية على الإرهاب ، ورد الفعل الذي سينتج عنه هو الإرهاب المضاد .

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...