الإثنين، 15 يونيو 2026
بيروت
23°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

رسالة إلى التجَّار

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} سورة البقرة.
وقال تعالى أيضًا:{واعلموا أنَّمآ أموالكم وأولادكم فتنةٌ وأن الله عنده أجرٌ عظيم} سورة الأنفال. والمراد بالفتنة في الآية الاختبار ففي الأموال والأولاد امتحانٌ للناس واختبارٌ فيراعي بعضهم الحقوق المترتبةَ عليه في المال مع الاعتناء بتحصيله بالطرق الشرعية فهو يأخذه من حلالٍ ويصرفه في الحلال وكذلك يقوم بعضهم برعاية حقوق أولاده فيهتم لتنشئتهم النشئة الطيبة ويُهمل بعضهم ذلك فيفرِّط فينشأ أولاده منحرفين ويتخبَّط في الحرام من حيث يدري أو لا يدري، وليس خافيًا كثرة ما انتشر في هذا الزمان من الغش والفساد والتلبيس والخداع والجهل بأحكام المعاملات من نحو البيع والشراء والشركة والرهن والقَرض وغير ذلك وليس يخفى أيضًا ما في إجراء العقود التجارية وتعاطي المعاملات المالية على الوجه الشرعي من مجاهدةٍ بالغةٍ للنفس وكفها عن هواها حيث إن تعلُّق أغلب النفوس بالمال والحرص على جمعه كبيرٌ جدًا. وقد قيل: المال فحص الرجال. ولذلك كان للتاجر الصدوق الأمين فضلٌ عظيمٌ فعن أبي سعيدٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصدِّيقين والشهداء” رواه الترمذي. معناه يُحشر معهم لما له من المقام العظيم
وفي “السنن الكبرى” للبيهقي عن خرشة بن الحر قال:”شهد رجلٌ عند عمر بن الخطَّاب بشهادةٍ فقال له: لست أعرفك ولا يضرك ألا أعرفك ائت بمن يعرفك فقال رجلٌ من القوم: أنا أعرفه قال: بأي شىءٍ تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل قال: فهو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه قال: لا قال: فمعاملك بالدينار والدرهم اللذين يُستدل بهما على الورع؟ قال لا قال: فرفيقك في السفر الذي يُستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا قال: لست تعرفه ثم قال للرجل: ائت بمن يعرفك” وباختصارٍ نقول: الناس في أمر المال ثلاثة أصناف: اثنان هالكان وواحدٌ ناجٌ واحدٌ حصَّل من حرامٍ فهو هالك سواء صرف في الحلال أم في الحرام وواحدٌ حصَّل من حلالٍ وصرف في الحرام فهو هالكٌ أما الناجي فهو من حصَّل من حلالٍ وصرف في الحلال
فليتق التاجر ربه وليقف عند حدِّ الشرع فإن تحرَّى الأمانة كان في زمرة الأبرار وإن تعاطى الغَش والتدليس واقتحم مستنقعات الحرام هلك فعن خولة الأنصارية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن رجالًا يتخوَّضون في مال الله بغير حقٍ فلهم النار يوم القيامة” رواه البخاري. والمراد النهي عن التخليط في المال وتحصيله كيفما أمكن سواءٌ بالحلال أم بالحرام وهذا حال الذي لا همَّ له من تجارته إلا تحصيل المال ولا ينظر إلى التجارة إلا أنها وسيلة لجمع المكاسب الدنيوية كيفما اتفق، ولو أنصف هذا المفتون من نفسه لوقف عند حد الشرع والتزم أحكامه في معاملاته، فقد روى أحمد عن رافع بن خَديجٍ قال: “قيل يا رسول الله أي الكَسْب أطيب ؟ قال: عَمَل الرجل بيده وكلُ بيعٍ مبرور” والبِر في البيع يعني أن ألا يُخالطه شىءٌ من الكذب ولا شىءٌ من الغَشِّ فإن البيع في اصطلاح الفقهاء: هو مقابلة مالٍ بمالٍ على وجهٍ مخصوص. وقولهم على وجهٍ مخصوصٍ معناه: لا يصح كل بيعٍ إلا ما استوفى الشروط والأركان. واللام في لفظ البيع في قوله تعالى:{وأحلَّ الله البيع} سورة البقرة. للعهد أي البيع المعهود حلُّه في الشرع وقد نزلت بعد أن أحلَّ النبي صلى الله عليه وسلم بيوعًا وحرَّم بيوعًا كما في الإتقان للسيوطي.
وحيث عُلم هذا دلَّ على أن صحة البيع والشراء تقوم على أحكامٍ بيَّنها الشرع الشريف وليس مجرد رضا الطرفين بالمعاملة عنوانًا لصحة العقود المالية، فكثيرًا ما تحصل معاصٍ برضا الأطراف الداخلين فيها كالزنى والقمار وغيرهما، فكما يحرم الزنى ولو كان برضا الزاني والزانية كذلك تحرم بعض المعاملات ولو كانت برضا البائع والمشتري، ولذلك وجب على من أراد البيع والشراء أو غير ذلك من المعاملات كالإجارة والرهن والوكالة والشركة والوديعة تعلُّم أحكامها وإلا عصى الله شاء أم أبى، فإنه لا يجوز للمسلم أن يدخل في شىء حتى يعلم ما أحل الله منه وما حرَّم، ولذلك كان لسيدنا عمر بن الخطاب اعتناءٌ كبير بالنظر في أحوال التُجَّار بل وامتحانهم في علوم المعاملات فكان من عادة سيدنا عمر أن يأتي السوق العام (أي الذي ليس مملوكًا لشخصٍ بعينه لا الحانوت الخاص بمالكه) ينظر ويختبر التُجَّار وكان يقول “لا يبع في سُوقنا إلا من قد تفقَّه في الدين” رواه الترمذي.
وفعله هذا يتضمَّن الدعوة إلى تعلُّم ما يحتاج إليه صاحب هذا الشأن، فجديرٌ بمن يصرف أغلب أوقات عمره في شؤون التجارة وجمع المال وادِّخاره والتَّنقل من سوقٍ إلى سوقٍ من غير مللٍ ولا كللٍ ويُجهدُ نفسه بالعمل الدنيوي ويُهمل لأجل ذلك أهله وولده فيُقصِّر في الحقوق الواجبة عليه تجاههم أن يُعطي بعض الوقت للتفقه في أحكام المعاملات ليسلم في دينه ودنياه، فعن أنسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “طلب الحلال واجبٌ على كل مسلم” رواه الطبراني. ومعناه أن الابتعاد عن الحرام في أسباب المعيشة واجبٌ، فمن أراد الحلال فعليه أن يسعى لمعرفة طُرقه. ثم إن جمع إلى معرفته بطُرق الحلال حُسن المعاملة مع الناس زاد خيره وبِرُّه فعن جابرٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رحم الله عبدًا سَمْحًا إذا باع سَمْحًا إذا اشترى سَمْحًا إذا اقتضَى سَمْحًا إذا قَضى” رواه ابن حِبَّان. وقوله سَمحًا أي سهلًا ومعنى قضى أي ردَّ الدَّين الذي عليه واقتضى أي طالب بدينه فلا يؤذي المقترض بالحبس ونحوه بغير حقٍ بل يصبر عليه إذا أعسر وما أحوج أكثر التجار اليوم إلى هذه القيم، فقديمًا انتشر الإسلام في أندونيسا وهي أكبر دولةٍ إسلاميةٍ اليوم بواسطة تجَّارٍ حضارمة (نسبة إلى حضرموت في اليمن) بعد ما كان أهلها من البوذيين فرأوا من التجَّار أخلاقًا عاليةً في التسامي فآمنوا ولم يطأ أرضهم جيش ولا غزو.
والحمد لله أولًا وآخرًا.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الهجرة النبوية... حين يصنع الإيمان التاريخ العظيم

ونحن نستقبل نفحات العام الهجري الجديد ، وتقف أرواحنا في رحاب ذكرى الهجرة النبوية المباركة ، تتجه الأبصار إلى ذلك الحدث الهائل الذي شكّل منعطفًا خالدًا في مسيرة الدعوة الإسلامية،...

من معاني الهجرة الشريفة

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى: قال الله تعالى في القرآن الكريم :{إلا تنصروه فقد نصره الله إذ اخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن...

ظهر الفساد فالزم السَّداد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} سورة الروم. قد ظهر...

في كل كبدٍ رَطْبةٍ أجرٌ

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} سورة الحج في الآية تأكيدٌ على فعل الخير وهو شاملٌ لأداء الواجبات واجتناب...

رسالة إلى مريد الحج

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى في القرآن الكريم: :{ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنيٌ عن العالمين} سورة آل عمران....

لغضب غول الحلم

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. قال الله تعالى:{وإذا ما غضبوا هم يغفرون} سورة الشورى. وعن أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني، قال: “لا تغضب...