الخميس، 23 أبريل 2026
بيروت
20°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

«زيارة البابا تكشف العار.. لبنان لا يحتاج صلاةً… بل يحتاج سقوطَ من خانوه»

منذُ أعوامٍ بعيدة، والمسيحيّةُ واليهوديّةُ تحملان ذاكرةً من الصِدام تمتدّ من صَلبِ السيِّدِ المسيح حتّى تحوّلاتِ القرنِ الواحدِ والعشرين. وبرغمِ محاولاتِ الفاتيكان لتجاوزِ الإرثِ التاريخي، إلّا أنّ الوجدانَ الشرقيّ لم يمحُ تلكَ الذاكرة، ولم يتخلَّ عنها بسهولة. غير أنّ المفارقة المُرّة اليوم ليست في صراعِ الهويّات، بل في حقيقةٍ أبشع.. أعدى أعداءِ المسيحيِّين في لبنان ليسوا اليهود… بل زعماءُ المسيحيِّين أنفسهم، الذين حوّلوا مجتمعهم إلى ساحةِ زواريبٍ وتفاهاتٍ وصراعاتِ زعامةٍ لا تنتهي.
حين قال البابا يوحنا بولس الثاني يوماً إنّ «لبنانَ رسالة»، لم يكن يقصد لبنان السلطة، ولا لبنان الطوائف، ولا لبنان الميليشيات السياسيّة، بل كان يتحدّث عن لبنان الفكرة..لبنان الحريّة، والتعدُّد، والتلاقي، والقدرة على صوغِ نموذجٍ إنسانيّ مختلف. أمّا اليوم، فالسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، عن أيِّ لبنانٍ يمكن لبابا روما الجديد “ليون” الرابع عشر أن يتكلّم بعد الآن؟
هل عن دولةٍ مأكولةٍ بالفساد؟ أم عن مجتمعٍ ينهار طبقةً فوق أخرى؟ أم عن زعماءٍ حوّلوا طوائفهم إلى جزرٍ محاصرةٍ بالخوف وغياب الرؤية…
إنّ زيارة البابا ” ليون” لا يمكن التعامل معها كزيارةٍ طقسيّةٍ مرتبطةٍ بالتطويب أو بإحياء ذكرى روحيّة «زيارة البابا تكشف العار، لبنان لا يحتاج صلاةً… بل يحتاج سقوطَ من خانوه» الفاتيكان لا يتحرّك في شرقٍ ملتهبٍ بلا خلفيّة سياسيّة. فالتوقيتُ وحده كافٍ لطرح الأسئلة الكبرى: لماذا الآن؟ ولماذا لبنان؟ ولماذا هذا الاسم الذي لم يمرّ أشهرٌ على إعلان تطويبه؟
وما الرسالة الفعليّة التي يحملها رأس الكنيسة إلى بلدٍ يتخبّط في واحدةٍ من أخطر مراحله عبر تاريخه الحديث؟
أول ما سيحمله البابا هو إنذارٌ صامت للمسيحيين..إمّا أن يتوحّدوا حول مشروعٍ وطنيّ واضح، أو لْيتهيّأوا للخروج من التاريخ السياسي نهائياً. فالفاتيكان يعرف، كما يعرف اللبنانيون أنّ المسيحيّين خسروا كل شيء لأنّ زعماءهم أرادوا كل شيء. وهذه الحقيقة، مهما أخفوها، لن يتجاهلها قدّاسٌ ولا تطويب.
وثاني ما قد تحمله الزيارة هو محاولة لملمة ما تبقّى من «لبنان الرسالة» قبل أن يتلاشى تماماً. فالعالم يرى الحدود على وشك الاشتعال، والاقتصاد على وشك الانهيار الكامل، والدولة على وشك الذوبان. ووجود البابا هنا قد يشكّل إشارة واضحة للمجتمع الدولي…لبنان لم يُدفَن بعد، لكنّه يحتاج إلى حمايةٍ ناعمة قبل أن تُطفَأ آخر شمعةٍ فيه.
أما السؤال ، هل تشكّل زيارة البابا رسالةً نحو «عرش السلام» بين لبنان وإسرائيل؟
فالجواب المباشر، لا، فلا سلام سيأتي ولو زارنا ألف بابا… ما دام الوطن مرهوناً لجبن حكّامه..
الفاتيكان لا يُرسل باباه ليكون جسراً لمصافحةٍ سياسيةٍ لم تنضج ظروفها الإقليمية بعد. لكنّ الزيارة قد تحمل رغبةً دوليّة بتثبيت التهدئة، وبمنع لبنان من الانجرار إلى حربٍ لن تبقي فيه حجراً فوق حجر.
البابا قد يحمل رسالة سلام… لكن من يحمل رسالة خلاص من حكّام الخراب؟
وفي العمق، قد تكون الزيارة محاولةً للتخفيف من الاحتقان المسيحي، وتثبيت الوجود الروحيّ في أرضٍ فقدت وزنها السياسي، وإطلاق إشارةٍ غير معلنة إلى القوى الكبرى بأنّ لبنان رغم فساده وانهياره لا يزال يحتاج إلى حماية موقعه ودوره.
ستُقدَّم الزيارة بلا شكّ كرسالة دعمٍ للاستقرار، ومحاولة لتهدئة المخاوف وإظهار تضامنٍ معنويّ. بهذا المعنى، ستنجح شكلياً؛ لأنّ أي حركة روحية كبرى تُمنَح تلقائياً بُعداً إيجابياً لدى الرأي العام العالمي..
على مستوى النتائج الفعلية هنا السؤال الأصعب!!!!
هل تستطيع الزيارة تغيير ميزان القوى؟
هل تفرض حلاً؟
هل تُلزم الأطراف الإقليمية والدولية بمسارٍ محدَّد؟
الجواب الواقعي: لا.
الزيارة قد تسهّل، تُليّن، تُهدّئ… لكنّها لن توقف حرباً قائمة، ولن تمنع حرباً مقبلة، ولن تُنتج تسوية ما لم تكن القوى المتصارعة قد نضجت سياسياً وعسكرياً للوصول إليها بمعنى أوضح، نجاح الزيارة يبقى محدوداً ومحصوراً بتخفيف التوتر وتظهير الموقف الدولي، لكنه لن يحسم شيئاً ما لم تتّخذ الأطراف قراراً فعلياً بالتهدئة أو الحلّ.
زيارة البابا قد تُنجح الجوّ… لكنها لن تنجح المعادلة…
وفي الخلاصة، فإنّ البابا لن يأتي ليبارك سلطةً أسقطت شعبها، ولا زعماءَ دمّروا بيئتهم، ولا طبقةً سياسيّة جرّت لبنان إلى الهاوية..
اظن انه سيأتي ليقول ما يخشاه الجميع…
لبنان الذي عرفه العالم يحتضر… فإن لم ينهض أبناؤه، فلن يرفعه أحد…

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

كيف تعرف الجريمة الخليجية بحق الوطن العربي؟..انظر فقط إلى دونالد ترامب..

ترامب في مأزق..لأن الحرب الإيرانية طالت لشهرين؟..لا..لأنه لا يجد إجابة عسكرية على السؤال الأهم؟..وهو..كيف تحصل أميركا على المخزون النووي الإيراني؟..القوة العسكرية الأميركية...

تاريخ الإسلام والقطيعة بين السنة والشيعة

التعايش هو المدخل الى التقريب بين السنة والشيعة على أساس المواطنة فعلي بن ابي طالب رفض البيعة الى الخليفة أبو بكر لمدة ستة أشهر ثم بايعه وذلك تحت ظرف اجتماعي ، ونحن اليوم واقعنا...

على حافة الترقّب: لبنان بين خطٍ أصفر وحدودٍ مفتوحة على المجهول

  لا تبدو التطورات في الجنوب اللبناني مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل أقرب إلى إعادة رسمٍ بطيءٍ لخطوط الواقع. الحديث عن “خط أصفر” أنشأه الجيش الإسرائيلي داخل نحو 55 قرية على غرار...

في علم المحاسبة والمالية: حين تشطب دماء أمة من دفاتر الدولة – إقفال الحسابات السيادية

بوصفي متخصصة في العلوم المالية والمحاسبية والجمركية والإدارية والقانونية والعلوم السياسية، أرى أن ما يطرح اليوم من مسار سياسي لا يمكن قراءته كخطوة تفاوضية عادية، بل كتحول يمس بنية...

بين ضباب التفاوض وذاكرة الحرب: هل يكرر لبنان فصول القلق؟

في لحظة إقليمية مليئة بالتوتر، توحي المنطقة وكأنها تقف على حافة معادلة دقيقة بين التصعيد والتهدئة الهشة. إنتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق،...

إلى من يشيد بنواف سلام

ويستخدم مصطلح ” كلنا معك.. او بيروت معك او اهل السنة معك ..” وغيره. انتم لا تملكون تبييض وجوهكم على حسابنا ،وعلى حساب كرامة بيروت والوطن وشه..داءه انا كسنية بيروتية...