إن رسالة لبنان هي في جعل أرضه مختبراً للحوار الإنساني وموئلاً حضارياً للتفاهم والعيش المشترك ، لم يكن لبنان يوماً مساحة جغرافية أو مجموعة من الكيلومترات ، بل كان مجموعة من القيم الإنسانية ومختبراً للتفاعلات الثقافية ومساحة روحية ونموذجاً حضارياً فريداً ، فإذا كان لبنان بلد الوحدة في التنوع بين الطوائف والأديان ، فحري به أن يكون مقبولاً في وحدته وتنوعه داخل كل طائفة ودين ، يعيش بانسجام تام مع آفاق الحرية المتجذرة في البيئة اللبنانية وفي المشاركة والتوافق .
لذلك كان من الضروري أن نتصدى للطائفية والمذهبية والتعصب الديني الذي ينهش مجتمعنا ونسيجنا الاجتماعي ويسمم أجيالنا الصاعدة ، يغذيها الخطاب السياسي اليومي الصادر عن جهات عدة يمارس بها الكثير من سياسيينا مسؤولية الشأن العام ، فلتكن تعدديتنا الطائفية مصدر غنىً لعيشنا المشترك الضامن للفكر الحر وللنظام الديمقراطي ، ومبرراً لوجود الكيان السياسي اللبناني المستقل .
ان الله اختص لبنان بنعمة ينبغي أن نكون دوماً مستحقين لها وهي نعمة القدرة على رؤية لبنان في تجلياته وسط مجتمع متنوع خياره التاريخي ابتداع أنماط متجددة لعيشه المشترك داخل عائلة تجسدها إرادة العيش معاً بروح المحبة والتسامح ، لا التعصب في وجهيه الديني والمذهبي .
لقد مر لبنان ويمر بمراحل صعبة وهو يحتاج الى مقاربات أصيلة ومتجددة وخلاقة ورائدة وتطبيقية إزاء التحولات الصعبة التي تواجه لبنان والمنطقة ويتطلب ذلك من القادة والمسؤولين المزيد من الوعي والادراك لمخاطر المرحلة وبالتالي إيجاد الحلول المناسبة لها لضمان أمن لبنان وصون حريته واستقلاله والوصول به الى شط الأمان .
إن الظروف هي التي تصنع الرجال وإن الرجال أيضاً هم الذين يصنعون الظروف لأن الانسان يملك في داخله قوة لتوجيه الظروف بإرادته ، فإذا فعل ذلك فهو يساهم في بناء ذاته وفي التأثير على الظروف التي يواجهها ، وبالتالي ينبغي ترك الماضي لأربابه وتحمل مسؤوليات الحاضر والمستقبل والعمل على جعلهما على قدر آمال الشعب وطموحاته .
لقد جاء في تاريخنا القريب ما قام به بعض القادة الوطنيين من تضحيات جسام في سبيل وحدة لبنان الوطنية وحريته وسيادته على أرضه ، لقد قال يوماً الإمام موسى الصدر ” لا ” في اعتصامه وصيامه في المسجد رفضاً للاقتتال الطائفي وقد كلفه ذلك غالياً ، دافعاً حياته ثمناً لذلك ، وقال المفتي حسن خالد ” لا ” فكان ضحية اغتيال إرهابي كبير ومشؤوم قام به نظام حاقد وموتور ومذهبي عانى منه لبنان كثيراً ، كما المنطقة برمتها ولا تزال تعاني من آثاره بعد اندحاره ودفنه في مزبلة التاريخ .
وقال الشيخ محمد مهدي شمس الدين ” لا ” للمتلاعبين والمراهنين على ضرب الميثاق الوطني اللبناني … وكذلك سليم غزال الذي كان نموذجاً في الحوار وفي مقاومة المعابر والمتاريس والانغلاق والتلاعب بالتعددية اللبنانية ، وأعطى الشيخ محمد حسين فضل الله أصالة وتجديد للفكر الإسلامي ولنظرة الإسلام للمسيحية وللتقارب السني الشيعي ودافع حسن صعب عن العقلانية الاختبارية في مقاربة شؤون لبنان ، وهي عقلانية قريبة من أفكار الآباء المؤسسين للميثاق الوطني اللبناني ورواده .
وفي الماضي القريب قال الزعيم الوطني كمال جنبلاط كلمة لا .. فكانت السبب في اغتياله من قبل المخابرات الأسدية التي عاثت في لبنان الفساد والجريمة والقتل أما الرئيس الشهيد رفيق الحريري فقد قال أيضاً لا … فكلفته حياته وكانت عقوبته الموت بل الاستشهاد دفاعاً عن حرية الوطن وحرية الموقف وحرية القرار اللبناني وذلك في الانفجار المشؤوم الذي أودى به ورفاقه بقوة الف طن من المتفجرات أمر بها وقررها العهد البائد في نظام بشار الأسد القاتل . ولحق به رفاق دربه والمدافعين عن استقلال لبنان وحرية قراره …
فلنقتدي بهؤلاء القادة التاريخيين الذين دفعوا حياتهم وأمنهم في سبيل الحقيقة وفي سبيل صون لبنان ووحدته واستقلاله ولنعمل على شاكلتهم ومثالهم ونحصن بلدنا ونصونه من سطوة التغيرات التي قد تحيق بنا في المنطقة والعالم ، ونسير بلبنان الى شط الأمان .


