في الوقت الذي تتحدث فيه الأوساط السياسية عن تعثر أو تعليق المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، يبقى المشهد على الأرض أكثر استعجالاً من كل البيانات الدبلوماسية. توغلات إسرائيلية، غارات وعمليات تجريف، وقرى جنوبية تنتظر عودة أهلها، فيما لا تزال شروط الانسحاب ووقف إطلاق النار ونزع السلاح عالقة بين حسابات الداخل وضغوط الخارج.
يدخل لبنان هذه المرحلة حاملاً مجموعة من المطالب التي لا يمكن التعامل معها كتفاصيل تفاوضية منها وقف شامل لإطلاق النار ووقف التدمير والتجريف وانسحاب إسرائيلي واضح وتوسيع المناطق التي يفترض أن تشهد ترتيبات جديدة، مع التمسك ببنت جبيل والخيام وعدم تحويل الجنوب إلى خريطة من المناطق التجريبية المفتوحة على المجهول.
لكن المشكلة أن كل طرف يريد أن تبدأ الخطوة الأولى من عند الآخر. إسرائيل تربط الانسحاب بملف نزع سلاح حزب الله، فيما يتمسك الحزب بسلاحه ما دام الاحتلال والتهديد الإسرائيلي قائمين. وبين الموقفين تجد الدولة اللبنانية نفسها مطالبة بإثبات قدرتها على حماية الأرض، لا بمجرد إعلان نيتها بسط سلطتها عليها.
ويزيد المشهد تعقيداً موقف حزب الله، الذي اعتبر أن نشر وزارة الخارجية الإسرائيلية خريطة تضمّ جنوب لبنان إلى إسرائيل يشكّل دليلاً على ما وصفه بـالأطماع الإسرائيلية المتواصلة في الأراضي والثروات اللبنانية. وحمّل الحزب السلطة اللبنانية مسؤولية التطورات المرتبطة بالمسار التفاوضي، داعياً إلى مراجعة شاملة له ووقف التفاوض المباشر والتحرك حكومياً ودولياً، بما في ذلك عبر مجلس الأمن.
وفي خضم هذا المشهد، تبدو بعض الأولويات الداخلية منفصلة تماماً عن الواقع. ففي الوقت الذي لا يزال فيه نازحون من الجنوب يبحثون عن مأوى وتعويض وعن الحد الأدنى الذي يسمح لهم بالعيش، يدور الحديث عن رفع مداخيل النواب إلى حدود خمسة آلاف دولار. وحتى إن بقي الرقم المتداول موضع نقاش ولم يتحول إلى قرار نهائي، فإن المفارقة مؤلمة: كيف يمكن لدولة أن تطلب من أهل الجنوب المزيد من الصبر، بينما يبدو أن الطبقة السياسية لا تنسى امتيازاتها؟
ليست المسألة راتب نائب بحد ذاته، بل صورة دولة وأولوياتها. المواطن الذي خسر منزله لا يريد سماع المزيد من خطابات الصمود؛ يريد أن يعرف متى سيعود، ومن سيعيد بناء منزله، ومن سيضمن ألا يُهدم مرة أخرى.
وفي المقابل، تتحرك المنطقة بسرعة. السعودية وتركيا وباكستان تتجه إلى بناء مظلة دفاعية مشتركة، في مؤشر واضح إلى أن دول المنطقة تعيد ترتيب أمنها وتحالفاتها في مرحلة شديدة الاضطراب. وبينما تبحث هذه الدول عن أدوات جديدة لحماية مصالحها، لا يزال لبنان يتجادل حول أبسط عناصر قوته: من يملك السلاح؟ من يقرر الحرب؟ ومن يضمن السلام؟
قد تعود المفاوضات، وقد تولد جولة ثامنة بعد السابعة، وقد تتغير أسماء الوسطاء والقوات الدولية والترتيبات الأمنية. لكن كل ذلك يبقى بلا قيمة إن لم يؤدِّ في النهاية إلى دولة تستطيع حماية أرضها وإعادة أهلها إليها فلبنان لا يحتاج إلى اتفاق يمنحه بضعة كيلومترات إضافية، بقدر ما يحتاج إلى دولة تستعيد قرارها وأرضها وثقة مواطنيها.
وبين روما وبنت جبيل والخيام، يبقى السؤال الذي لا يحتاج إلى مفاوضات طويلة:
متى يعود أهل الجنوب إلى بيوتهم… ولماذا تبدو عودتهم أصعب من زيادة راتب مسؤول؟


