الإثنين، 29 يونيو 2026
بيروت
29°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

الإقامة الذهبيةفي لبنان : احتلال ناعم بربطة عنق!

هل يتسلل النفوذ عبر الاستثمار حين يتعذر فرضه بالقوة؟

رلى توفيق الحوري ناشطة سياسية - متخصصة بالعلوم السياسية والإدارية والقانونية والإعلامية

ليست كل الأخطار تأتي على ظهر دبابة، وليست كل محاولات السيطرة تعلن نفسها بصوت المدافع. فالتاريخ يعلمنا أن بعض أشكال النفوذ بدأت بالمال ،قبل أن تتحول إلى قوة سياسية، وأن المصالح الاقتصادية كانت في أحيان كثيرة مقدمة لتأثير أوسع من حدود التجارة والاستثمار.
فشركة الهند الشرقية البريطانية ،لم تدخل الهند كقوة احتلال، بل كشركة تجارية حصلت على امتيازات اقتصادية متزايدة، قبل أن تتحول تدريجيا إلى لاعب سياسي وعسكري نافذ. كما شهدت هاواي خلال القرن التاسع عشر تناميا تدريجيا لنفوذ المستثمرين الأجانب وملاك الأراضي، قبل أن تنتهي التحولات السياسية بضم الجزر إلى الولايات المتحدة. والدرس هنا ليس أن التاريخ يعيد نفسه حرفيا، بل أن النفوذ الاقتصادي قد يتحول مع الوقت إلى نفوذ سياسي يتجاوز أهدافه الأصلية !!
من هنا، فإن النقاش حول مشروع الإقامة الذهبية في لبنان لا يجوز أن يبقى محصورا بالأرقام والعائدات المالية، فالمسألة تتجاوز الاقتصاد إلى سؤال أكبر: هل نحن أمام وسيلة لجذب الاستثمار المنتج، أم أمام سياسة قد تفتح الباب أمام تراكم مصالح اقتصادية يصعب ضبط آثارها مستقبلا؟
في الدول القوية ذات المؤسسات الراسخة والرقابة الصارمة، قد تشكل الإقامة الذهبية أداة لجذب الرساميل والخبرات. أما في لبنان، حيث تعاني الدولة من ضعف مزمن في الرقابة والمحاسبة، فإن من حق اللبنانيين أن يتعاملوا مع المشروع بحذر ،وأن يطالبوا بضمانات واضحة قبل إقراره.
المؤيدون يتحدثون عن استثمارات جديدة. لكن السؤال البديهي هو: أي نوع من الاستثمارات؟ هل المطلوب إنشاء مصانع وشركات إنتاجية توفر فرص عمل وتنعش الاقتصاد الحقيقي؟ أم المطلوب فتح الباب أمام شراء العقارات والأراضي والأصول الثابتة؟!!!
وإذا كان الهدف فعلا جذب الاستثمار المنتج، فلماذا لا تربط الإقامة بمشاريع إنتاجية حقيقية توظف اللبنانيين وتدعم الاقتصاد الوطني؟ ولماذا سيكون شراء العقارات أو ضخ الأموال كافيا للحصول على امتياز طويل الأمد؟

ان الاستثمار المنتج يضيف قيمة مستمرة للاقتصاد، أما تملك العقارات والأصول الثابتة فيؤسس لعلاقة مختلفة تتجاوز النشاط الاقتصادي المؤقت إلى ملكية طويلة الأمد قد تتوسع وتتراكم مع مرور الوقت.

اذن، السؤال المهم الذي اطرحه : أين ينتهي الاستثمار وأين يبدأ النفوذ؟

المسألة لا تتعلق بالمستثمر الفرد ولا بالمشروع الفردي، بل بالأثر التراكمي للمصالح الاقتصادية عندما تتشابك وتتوسع عبر السنوات. فالدول لا تفقد هامش قرارها دفعة واحدة، بل عبر تراكم مراكز النفوذ والضغط والمصالح التي تصبح جزءا من المشهد الداخلي.
وإذا كان مستثمراً واحداًقادرا على فرض حضوره الدائم في النقاش العام بفعل حجم مصالحه الاقتصادية، فكيف سيكون المشهد عندما تتراكم عشرات المصالح الكبرى وتتشابك داخل قطاعات متعددة من الاقتصاد الوطني؟
وقد شاهد اللبنانيون خلال العقود الماضية كيف يمكن لرأس المال لمستثتمر واحد أن يتحول إلى عنصر تأثير في النقاش العام. ويكفي التذكير بالجدل الواسع الذي رافق مشروع فندق الحبتور في بيروت. وبغض النظر عن الموقف من المشروع أو من صاحبه، فقد أظهرت التجربة كيف يمكن لمستثمر يملك مشروعاً استثمارياً أن يتحول إلى طرف حاضر باستمرار في المشهد الإعلامي والسياسي، وأن تصبح قراراته الاستثمارية أو تصريحاته مادة نقاش عامة تتجاوز حدود مشروعه التجاري نفسه.!!!

إن لبنان ليس دولة مترامية الأطراف تستطيع امتصاص الأخطاء الاستراتيجية بسهولة. إنه بلد صغير، محدود المساحة، حساس ديموغرافيا وسياسيا واقتصاديا … وأي تغيّر واسع في ملكية الأرض أو الأصول الاقتصادية يستحق دراسة دقيقة تتجاوز الحسابات المالية المباشرة.
والأخطر، أن لبنان يقع في قلب منطقة تعج بالصراعات والمنافسات الإقليمية. لذلك يصبح التدقيق في هوية المستفيدين الفعليين من هذه البرامج، وفي مصادر أموالهم وارتباطاتهم ومصالحهم، مسألة أمن وطني لا مجرد إجراء إداري.

والسؤال الذي لم يقدم مؤيدو المشروع جوابا واضحا عنه هو: ما الحاجة إلى بيع امتياز الإقامة مقابل تملك العقارات أو ضخ الأموال، إذا كان بالإمكان استقطاب الاستثمارات المنتجة من خلال قوانين استثمار عادية توفر فرص العمل وتحرك الاقتصاد من دون إنشاء مسار خاص يمنح امتيازات إضافية مرتبطة بالمال؟

السيادة لا تقاس فقط بالجيش والحدود. السيادة تقاس أيضا بمن يملك الأرض، ومن يتحكم بالأصول الاستراتيجية، ومن يمتلك القدرة على التأثير في القرار الوطني. وعندما تصبح الإقامة امتيازا يشترى بالمال، يصبح من حق اللبنانيين أن يطرحوا الأسئلة الصعبة قبل فوات الأوان…!!

لا أحد يعارض الاستثمار الحقيقي، ولا أحد يرفض انفتاح لبنان على العالم. لكن الفرق كبير بين استقطاب استثمارات منتجة تخلق فرص العمل وتزيد الإنتاج، وبين تحويل حق الإقامة الطويلة الأمد إلى سلعة مالية في بلد لم يستعد بعد عافيته المؤسسية والسيادية.
قد لا يكون ما يطرح اليوم احتلالا بالمعنى العسكري التقليدي، لكنه يطرح سؤالا مشروعا حول حدود النفوذ الاقتصادي في دولة تعاني أصلا من هشاشة مؤسساتها. فالتاريخ يعلمنا أن السيطرة لا تأتي دائماً من خلف الحدود، بل قد تتسلل أحيانا عبر المال والعقار وشبكات المصالح.
لهذا فإن معارضة الإقامة الذهبية ليست رفضا للاستثمار، بل دفاع عن فكرة بسيطة وأساسية: لبنان وطن وليس شركة، والسيادة ليست امتيازا يمنح لمن يملك المال…!!
فعادة الأوطان لا تباع دفعة واحدة، بل قطعة بعد قطعة، وامتيازا بعد امتياز، حتى يستيقظ الناس على واقع لم يختاروه…وهذا ما اتخوف منه واستشرفه .

عندما تكون خاصرة الوطن رخوة، يصبح الحذر واجبا وطنيا ..

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية: هل تستطيع الدولة الوصول إلى اتفاق في ظل الانقسام الداخلي؟

تدخل المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية مرحلة شديدة الحساسية، في وقت تتمسك فيه الحكومة اللبنانية بحقها الدستوري في التفاوض باسم الدولة، فيما يبرز في الداخل اللبناني تباين واضح في...

إطار التفاهم الأميركي-الإسرائيلي: فخّ المناطق التجريبية وثمن السيادة

من واشنطن، تُعرض على لبنان اليوم صيغةٌ جديدة لإنهاء الحرب، تحت عنوان “إطار تفاهم أميركي الرعاية”. تبدو ظاهرياً وقفاً لإطلاق النار، وباطناً إعادة هندسة لدور الدولة...

إيران والسعودية في الزمن الذهبي : تكامل و تنافس في الشرق الأوسط الجديد

خرجت كل الأطراف المتحاربة منذ 7/10 / 2023  مهزومة بعد  فشلها بتحيق أهدافها ، ومنتصرة بمنع الحلف المعادي من تحقيق أهدافه؛ فجاءت مذكرة التفاهم الإيرانية – الأميركية خارطة طريق للشرق...

الإقامة الذهبية أم بيعٌ للوهم؟

أقرت الحكومة مشروع «الإقامة الذهبية» الذي يمنح الأجنبي حق الإقامة في لبنان مقابل استثمار لا يقل عن 500 ألف دولار. ومن حيث المبدأ، لا تُعتبر برامج الإقامة مقابل الاستثمار فكرة...

إيران والولايات المتحدة... المعركة بين السلاح والتفاوض

يمكن للمتابع أن يقول الكثير في نتائج المعركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة أخرى، وهي المعركة التي بدأت آخر فصولها في 28 / 2 / 2026، والتي لم تنته حتى...

هكذا فازت إيران

أكتب هذه السطور قبل التوقيع الرسمى النهائى فى “سويسرا” على مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية ، وكان قد جرى التوقيع الإلكترونى المتبادل عبر الوساطة الباكستانية المعززة...