لم يعد الوضع في لبنان مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية. نحن أمام مشروع تفكيك ممنهج يستهدف الكيان والدولة والمجتمع معاً.
صورة الوضع: احتلال بغطاء “مفاوضات” وانقسام بغطاء “سيادة”
السلطة اليوم منقسمة حد الشلل. فريق يرى بالحوار الداخلي مضيعة وقت، وفريق آخر يرى بالتسليم للأمر الواقع “واقعية”.
وفي المقابل، إسرائيل تستغل هذا الفراغ. لم تعد تكتفي بالاحتلال العسكري لبقاع من الجنوب، بل انتزعت “تشريعاً” لوجودها عبر ربط أي انسحاب بشروط: سحب السلاح، إبعاد عناصر من الجنوب، وملحق أمني أخطر من الاتفاق نفسه.
وعندما يخرج نتنياهو ويتحدث عن “قرى مسيحية تريد الانضمام لإسرائيل” وتكذبه بلديات تلك القرى، ندرك أن الهدف هو بث الشحن الطائفي وتفجير الداخل من الداخل. هذا هو تعريف الفتنة بعينها.
أما أمريكا “ترامب” فلا تقدم للبنان سوى إطار تفاوضي مهين. تطلب من الدولة اللبنانية أن تفاوض عدوها المحتل تحت سقف شروطه، دون ضمانات جدية بالانسحاب. هي مفاوضات من موقع الضعف، لا من موقع الندية.
استحالة الحوار الداخلي… وغياب القرار الوطني
المشكلة أننا اليوم لا نملك ترف الانتظار لحوار لبناني-لبناني.
الانقسام وصل إلى العظم: على مستوى السلطة، على مستوى الشارع، وحتى على مستوى الخطاب الإعلامي. كل فريق يتهم الآخر بالعمالة أو بالتعطيل.
وفي ظل هذا الشحن، أي تراجع للسلطة عن إطار الاتفاق الحالي سيُعتبر “انقلاباً”، وأي إكمال له سيُعتبر “استسلاماً”. السلطة محشورة، والقرار الوطني غائب.
معادلة الإنقاذ: من “س – س” إلى “أ – أ”
تاريخ لبنان يقول أننا عندما نعجز عن الاتفاق مع بعضنا، نلجأ إلى وصاية خارجية تنقذنا.
في التسعينات كانت “معادلة س – س”: سوريا – السعودية. هي التي رعَت الطائف، وأعادت بناء الدولة، وحمت الاستقرار لعقدين.
اليوم الواقع الجيوسياسي تغير. سوريا منهكة، والخليج أعاد ترتيب أولوياته.
والأمل الوحيد المتبقي هو “معادلة أ – أ”: إيران – السعودية.
لماذا؟
لأن السعودية هي البوابة العربية والدولية للبنان. بدون غطائها السياسي والمالي لا يمكن لأي حكومة أن تقف.
ولأن إيران هي اللاعب الإقليمي الأكبر المؤثر على الأرض وعلى فصيل أساسي في المعادلة اللبنانية. بدون تفاهمها لا يمكن الحديث عن استقرار أمني.
تفاهم سعودي-إيراني على لبنان يعني 3 أشياء:
وقف التمويل الخارجي للفتنة: تجفيف منابع الشحن الطائفي والإعلامي.
رعاية تسوية داخلية: حكومة إنقاذ حقيقية، وانتخابات، وإعادة بناء مؤسسات.
موقف موحد تجاه الاحتلال: ضغط دولي على إسرائيل للانسحاب دون شروط إذلال، وفك ربط الجنوب بملف السلاح.
البديل: الخراب
إذا فشلت “معادلة أ – أ”، فالبديل واضح: أزمة طويلة، انهيار أمني، وتقسيم ناعم. إسرائيل ستبقى في الجنوب بحجة “الترتيبات الأمنية”، والداخل سيغرق في فتنة لا تبقي ولا تذر.
لبنان لا يتحمل حرباً أهلية جديدة، ولا يتحمل احتلالاً دائماً.
الخاتمة: كرة النار في ملعب الرياض وطهران
أيها اللبنانيون، الحقيقة القاسية هي أننا عاجزون حالياً عن إنقاذ أنفسنا بأنفسنا.
الكرة الآن في ملعب “أ – أ”. إما تفاهم ينقذ لبنان ويعيده إلى الحضن العربي مع حفظ خصوصيته، وإما نترك البلد لمصيره تحت أنياب الاحتلال وفتنة الداخل.
التاريخ لن يرحم من كان سبباً في ضياع هذا الوطن. والفرصة الأخيرة اسمها: تفاهم الكبار على الصغار


