الأربعاء، 29 يوليو 2026
بيروت
28°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لبنان بين واشنطن وطهران: شدّ وجذب يُثقل كاهل الداخل

كارولين ياغي

يجد اللبناني نفسه، مرة تلو الأخرى، يعيش فوق خط تماس غير منظور، لا يُخطّ بالمدافع والدبابات، بل بخيوط شدّ وجذب إقليمي تمتد من واشنطن إلى طهران وتنعكس بالضرورة في بيروت. والنتيجة؟ يوميات مثقلة بالانتظار، وبلد صغير يبقى أسير معادلات تفوق حجمه.
اليوم، يبدو لبنان كمرآة تُظهر موازين القوى بين الولايات المتحدة وإيران. كل تصريح سياسي، وكل عقوبة مالية، وكل تقدّم أو تعثّر في الملف النووي يترك بصمته هنا: في ثبات هشّ لسعر الصرف عند عتبة مرهقة، في استحقاقات سياسية تُرحَّل من موعد إلى آخر، وفي فراغ مؤسساتي يتسع يوماً بعد يوم. وكأن الداخل اللبناني تحوّل إلى شاشة تُعرض عليها مباراة طويلة لا أحد يعرف متى يُطلق صافرة نهايتها.
المفارقة أنّ اللبنانيين اعتادوا هذا الأمر، في المقاهي والبيوت، وحتى في نشرات الأخبار، تُختزل السياسات الكبرى إلى سؤال بسيط: إلى أين تتجه العلاقة بين واشنطن وطهران؟ فالجواب، كيفما كان، كفيل بأن يحدد شكل الحكومة المقبلة، أو مصير الاستثمارات الموعودة، أو حتى سقف التوتر الأمني في الجنوب وعلى الحدود.
لكن خلف هذه الصورة يظلّ الإحباط يتراكم. كيف يمكن لمجتمع يسعى إلى الحد الأدنى من الاستقرار أن يعيش أسيراً لتفاهمات خارجية؟ وكيف لشعب أرهقته الأزمات الاقتصادية والانهيار المالي أن ينتظر تفاهمات لا تُبرم إلا في عواصم بعيدة؟
لبنان ليس بمنأى عن مسؤوليته في ما يعيشه، فداخله مكشوف أمام الخارج منذ عقود، وتشابك تحالفاته السياسية يجعل أي تغيير في الموقف الأميركي أو الإيراني ينعكس مباشرة على مواقف الداخل.
وهنا يظهر الإشكال: بلد يحتاج إلى قرار حرّ، بينما طبقته السياسية تستمد حضورها من الخارج أكثر مما تستمده من الداخل.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنّ الشارع اللبناني ما زال يحتفظ بحيويّة مختلفة، بعيدة عن حسابات القوى الكبرى. فشباب يسعون إلى الهجرة بحثاً عن فرصة أفضل، وآخرون يغامرون بإطلاق مشاريع صغيرة وسط الركام، فيما عائلات تتشبث بيومياتها رغم الغلاء وانهيار الخدمات. هؤلاء وحدهم يجسّدون “الوجه الآخر” للبنان: بلد يرفض أن يتحوّل كلياً إلى ورقة على طاولة المساومات.
الرهان اليوم لا يقتصر على انعكاسات الصراع الأميركي–الإيراني، بل على قدرة لبنان أن يلتقط أنفاسه وسط العاصفة. فهل يتمكن يوماً من فرض إيقاعه الخاص، أم يظلّ ساحة مفتوحة لتجاذبات الآخرين؟
سؤال معلّق، تماماً كما كل شيء في هذا البلد.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

لقاء الثلاثاء… هل يناقش الشرق الأوسط أم مستقبل الرجلين؟

على الرغم من أن جدول أعمال اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو يتضمن رسمياً ملفات إيران وغزة وسورية ولبنان ، إلا...

نظرة في ملف "محمود أحمدي نجاد"

أثارت تقارير صحفية، واستخباراتية إسرائيلية الكثير من اللغط حول الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وعن تجنيده لصالح الموساد الإسرائيلي أو محاولة تجنيده على اختلاف الروايات....

بداية الإصلاح... رؤية السقطات

في كل أزمة يمر بها وطن، وفي كل نكبة تصيب شعباً، يبرز سؤال واحد: من أين نبدأ الإصلاح؟ والجواب بسيط وعميق في آنٍ معاً: بدايةُ الإصلاحِ رؤيةُ السقطاتِ والأخطاءِ والثغراتِ، ثم...

لماذا لا تضرب إيران "إسرائيل"؟

أيا ما كان مصير مساعى الوسطاء فى باكستان وفى قطر ، فإن العودة للتفاوص الأمريكى الإيرانى ، لن تؤدى غالبا إلى وقف الحرب الجديدة الجارية على جبهة إيران ، ولا إلى تقليص ما جرى ويجرى...

هل تتحول سورية إلى ساحة مواجهة بين تركيا و"إسرائيل"؟

لم يعد الخلاف بين تركيا و”إسرائيل” يقتصر على التصريحات السياسية أو التباين في المواقف من الحرب في غزة، بل بات يتجه تدريجياً نحو صراع نفوذ داخل الأراضي السورية، حيث...

في ذكرى الثالث والعشرين من يوليو…

في زمنٍ أصبح فيه جلد التاريخ أسهل من صناعته، واغتيال الرموز أسهل من إنجابها، تعود ذكرى الثالث والعشرين من يوليو لتفرض سؤالاً لا يزال يؤرق الوعي العربي: هل نحاكم الرجال بمنطق...