الأحد، 13 سبتمبر 2026
بيروت
32°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لبنان بين واشنطن وطهران: شدّ وجذب يُثقل كاهل الداخل

كارولين ياغي

يجد اللبناني نفسه، مرة تلو الأخرى، يعيش فوق خط تماس غير منظور، لا يُخطّ بالمدافع والدبابات، بل بخيوط شدّ وجذب إقليمي تمتد من واشنطن إلى طهران وتنعكس بالضرورة في بيروت. والنتيجة؟ يوميات مثقلة بالانتظار، وبلد صغير يبقى أسير معادلات تفوق حجمه.
اليوم، يبدو لبنان كمرآة تُظهر موازين القوى بين الولايات المتحدة وإيران. كل تصريح سياسي، وكل عقوبة مالية، وكل تقدّم أو تعثّر في الملف النووي يترك بصمته هنا: في ثبات هشّ لسعر الصرف عند عتبة مرهقة، في استحقاقات سياسية تُرحَّل من موعد إلى آخر، وفي فراغ مؤسساتي يتسع يوماً بعد يوم. وكأن الداخل اللبناني تحوّل إلى شاشة تُعرض عليها مباراة طويلة لا أحد يعرف متى يُطلق صافرة نهايتها.
المفارقة أنّ اللبنانيين اعتادوا هذا الأمر، في المقاهي والبيوت، وحتى في نشرات الأخبار، تُختزل السياسات الكبرى إلى سؤال بسيط: إلى أين تتجه العلاقة بين واشنطن وطهران؟ فالجواب، كيفما كان، كفيل بأن يحدد شكل الحكومة المقبلة، أو مصير الاستثمارات الموعودة، أو حتى سقف التوتر الأمني في الجنوب وعلى الحدود.
لكن خلف هذه الصورة يظلّ الإحباط يتراكم. كيف يمكن لمجتمع يسعى إلى الحد الأدنى من الاستقرار أن يعيش أسيراً لتفاهمات خارجية؟ وكيف لشعب أرهقته الأزمات الاقتصادية والانهيار المالي أن ينتظر تفاهمات لا تُبرم إلا في عواصم بعيدة؟
لبنان ليس بمنأى عن مسؤوليته في ما يعيشه، فداخله مكشوف أمام الخارج منذ عقود، وتشابك تحالفاته السياسية يجعل أي تغيير في الموقف الأميركي أو الإيراني ينعكس مباشرة على مواقف الداخل.
وهنا يظهر الإشكال: بلد يحتاج إلى قرار حرّ، بينما طبقته السياسية تستمد حضورها من الخارج أكثر مما تستمده من الداخل.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنّ الشارع اللبناني ما زال يحتفظ بحيويّة مختلفة، بعيدة عن حسابات القوى الكبرى. فشباب يسعون إلى الهجرة بحثاً عن فرصة أفضل، وآخرون يغامرون بإطلاق مشاريع صغيرة وسط الركام، فيما عائلات تتشبث بيومياتها رغم الغلاء وانهيار الخدمات. هؤلاء وحدهم يجسّدون “الوجه الآخر” للبنان: بلد يرفض أن يتحوّل كلياً إلى ورقة على طاولة المساومات.
الرهان اليوم لا يقتصر على انعكاسات الصراع الأميركي–الإيراني، بل على قدرة لبنان أن يلتقط أنفاسه وسط العاصفة. فهل يتمكن يوماً من فرض إيقاعه الخاص، أم يظلّ ساحة مفتوحة لتجاذبات الآخرين؟
سؤال معلّق، تماماً كما كل شيء في هذا البلد.

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

الكيانات الوطنيةالمستحدثة ؛ صنيعة مصالح الدول المنتصرة

لبنان الجبل  و الدولة لبنان هذا، ما عُرِفَ ككيان سياسي موحد قبل إعلانه في 1 / 9/ 1920 ، ولا كانت له حدوده الجغرافية المعروفة والمتعارف عليها، كما يُضَلِّل من يحاول أن يخترع...

ملاحظات على بحث "بناء الدولة في سورية

يوم الخميس الثالث من أيلول / سبتمبر شهدت المكتبة الوطنية بدمشق ندوة حوارية بعنوان: “بناء الدولة في سورية، رؤية استراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026 ـ...

علي الطاهر بداية التوغل وليس نهاية حرب

لم يأتِ تفجير “علي الطاهر” يتيماً، بل على وقع زلزال إقليمي يمتد من طهران إلى صنعاء، ومن غزة إلى بيروت ولا يمكن اختزاله بحادثة أمنية او اعتباره “هزيمة...

"زلزال علي الطاهر"... مسرح نتنياهو الانتخابي وغنائم كاذبه ورسالة المحور كله

مقدمة 1100 طن متفجرات. هزة بقوة 4.2 ريختر. تلة محيت من الخريطة. هذا ما فعلته “إسرائيل” ليلة 10 أيلول 2026 في “علي الطاهر”. نتنياهو أ سماه “إنجاز...

غزة والجنوب اللبناني: جغرافيا واحدة للوجع واختلافات في الحكاية

حين ننظر إلى غزة والجنوب اللبناني على الخريطة، قد لا نجد الكثير مما يجمع بينهما. هنا شريط ساحلي ضيق ومحاصر، وهناك منطقة واسعة من القرى والبلدات والحقول تمتد جنوب لبنان. هنا أكثر...

لندن تصف سياسات نتنياهو بـ "التطهير العرقي"... هل بدأ تفكك التحالف الغربي مع إسرائيل؟

عندما تصدر لندن، عاصمة “وعد بلفور”، حكماً سياسياً وقانونياً على حكومة “إسرائيل” بأنها تمارس “التطهير العرقي” في الضفة، وأنها ترتكب “جرائم...