لبنان بلد غنيّ بالمقوّمات والفرص، لا تنقصه عناصر الحياة ولا مقومات النمو. موقعه عند تقاطع الشرق بالغرب ،وطبيعته التي تجمع البحر والجبل، وطاقاته البشرية المنتشرة في الداخل والاغتراب تجعل منه مساحة مؤهلة للنهوض ،كلّما توافرت إدارة رشيدة ورؤية واضحة. ومع ذلك، يبقى المشهد مأسورًا بتناقضاته: فما إن تلوح إشارات تعافٍ اقتصادي أو اجتماعي ،حتى تعود الأزمات لتسلب الناس طمأنينتهم، وتذكّرهم بأن الاستقرار في هذا البلد لا يزال هشًّا.
الواقع أنّ اللبناني يعيش في مساحة رمادية دائمة، بين وعود النهوض التي تُرفع في الخطاب السياسي، وبين شبح الانهيار الذي يتكرّر مع كل أزمة مالية أو أمنية أو إقليمية. هذه الدوامة تُبقي البلد عالقًا بين الإمكانات الكامنة والفرص الضائعة، فتتحوّل الحياة اليومية إلى انتظار إصلاح لم يكتمل، وانفراج قد لا يأتي، وأزمة جديدة تلوح في الأفق.
هذه المفارقة ليست جديدة على لبنان. على مدار عقود، شهد البلد دورات متكررة من الازدهار والانهيار. ففي ستينيات القرن الماضي، لقب بـ”سويسرا الشرق” بفضل ازدهاره المصرفي ونمو قطاع السياحة، قبل أن تقتحم الحرب الأهلية عام 1975 مشهد حياته وتوقف هذا الزخم. ومع توقيع اتفاق الطائف، انطلقت مشاريع إعادة الإعمار وظهرت بارقة الأمل بالانتعاش، إلا أن الانقسامات الداخلية والتوترات الإقليمية أعاقت تحقيق الاستقرار الدائم.
وعند استعراض السنوات الأخيرة، يبدو أن المشهد لم يشهد تغيرًا جوهريًا. الانتفاضة الشعبية عام 2019 وما أعقبها من أزمة مالية خانقة قلّصت الثقة بالاقتصاد، ثم جاء انفجار مرفأ بيروت ليضاعف حجم الصدمات والجراح. ومع ذلك، لم تتوقف محاولات النهوض: مبادرات شبابية، مشاريع صغيرة، ونشاط ثقافي يحاول مقاومة الجمود. إنها نفسها المفارقة اللبنانية؛ بلد يعيد بناء نفسه من تحت الركام، لكنه سرعان ما يُحاصر مجددًا بغيوم الشك وعدم اليقين
وعلى الرغم من ذلك يظل المواطن اللبناني العادي هو الأكثر تأثّرًا، فهو يسعى للعيش بشكل طبيعي في ظل اقتصاد متقلب، ويخطط لمستقبل عائلته ،بينما يبقى الأفق السياسي غامضًا وغير واضح. ومع ذلك، تكشف الحياة اللبنانية عن جانب آخر من شخصية أهلها: قدرة هائلة على التكيّف، وعزيمة لا تفتر للبحث عن شعاع أمل مهما كان صغيرًا.
قد يحيط مستقبل لبنان الكثير من الشكوك، لكن التاريخ يذكّر بأن هذا البلد لا ينكسر بسهولة. فكل أزمة مرّ بها، مهما بلغت شدتها، كانت تفتح أيضًا مجالًا لمبادرات جديدة وفرص أمل غير متوقعة. وبين دوّامة الأزمات والفرص، يبقى الرهان الأساسي على إرادة أبنائه، وقدرتهم المستمرة على تحويل الانكسار إلى نقطة انطلاق، والخيبة إلى دافع للسعي نحو غد مختلف.


