السبت، 13 يونيو 2026
بيروت
25°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

لماذا يبدو التمثيل النيابي لبيروت ضعيفًا؟

لا يمكن اختزال ضعف التمثيل النيابي لبيروت بأسماء النواب وحدهم، ولا بإلقاء اللوم على أشخاص منتخبين قدّموا ما استطاعوا ضمن هامش ضيّق من التأثير. المشكلة أعمق بكثير، وهي بنيوية، تبدأ من قرار الناخب البيروتي نفسه، وتنتهي عند عجز المدينة عن إنتاج طبقة سياسية تُشبه ثقلها الحقيقي كعاصمة.

بيروت لا تُعاني من نقص في الكفاءات، لكنها تُعاني من فقرٍ في القرار الانتخابي الواعي. فأبناء المدينة، بدل أن يصنعوا مشروعًا سياسيًا جامعًا يُعبّر عن مصالحهم كعاصمة، وقعوا في فخّ الارتجال، والعصبية الضيّقة، والحنين إلى الزعامات، فتكرّس تمثيلٌ هشّ لا يملك القدرة على مواجهة كتل نيابية جاءت من مناطق تُنظِّم نفسها على أساس مشروع واضح ولو كان فئويًا.
والمشكلة لا تتوقف عند السلوك الانتخابي فحسب، بل تتجسّد في غياب العناصر العلمية والتنظيمية التي تقوم عليها أي تجربة سياسية ناضجة. فنحن نفتقر إلى العمل السياسي المؤسسي المبني على التخطيط والدراسات لا على ردود الفعل. نفتقر إلى مراكز بحث تُحلّل الواقع البيروتي اقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا وتحوله إلى برامج واضحة. نفتقر إلى مدارس لإعداد الكوادر السياسية تفهم التشريع والإدارة وإدارة الصراع السياسي، كما نفتقد إلى التنظيم الهرمي الشفاف القائم على توزيع المسؤوليات والمساءلة بدل العلاقات الشخصية والولاءات العابرة.
وهنا تقع المسؤولية المباشرة على الناخب البيروتي.
فهو ليس ضحيةً فقط، بل شريكًا في النتيجة، هو من يشرّع الضعف عندما يصوّت بلا رؤية، وهو من يقوّي الهشاشة حين يتمنع عن المشاركة، وهو من يُكرّس الرداءة حين يقدّم الولاء على الكفاءة. فلا يمكن لبيروت أن تقوم ما دام ابناءها يتعاملون مع أصواتهم كموقف عاطفي لا كأداةِ تغيير.
المفارقة القاسية أنّ الضعف لا يأتي من الخارج، بل من الداخل. من البيارتة أنفسهم. من مجتمع سياسي يفاخر بثقافته وانفتاحه ووعيه، لكنه عند صندوق الاقتراع يتخلّى عن مسؤوليته التاريخية، ويصوّت بلا بوصلة، أو يمتنع حين يجب أن يحضر
الخلل الحقيقي أنّ المدينة التي قدّمت نفسها يومًا كعقل لبنان، باتت عاجزة عن إنتاج كتلة نيابية تفرض حضورها، وتفرض شروطها، وتُجبر السلطة على احترام موقعها

شارك الخبر
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

المونديال ليس للأغنياء فقط

في معظم دول العالم، تُعتبر الرياضة حقاً شعبياً ومساحةً جامعةً تلتقي فيها مختلف الفئات الاجتماعية حول فرحة واحدة. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا الحق البسيط رهينة الأزمات وسوء...

حرب المذاهب على المذاهب

أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين, وحرب المذاهب على المذاهب . تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية ,شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في...

الجولان المحتلة وحزب الجمهورية

في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967 قدم حزب الجمهورية في سوريا وهو حزب (قيد التأسيس) رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة....

ما تريده إسرائيل: جنوب بدون شيعه!

التقيت منذ أيام، في منزل سفير أجنبي صديق، زميلاً صحافياً فرنسياً، نشأت بينه وبيني علاقة ود واحترام زمن كنت فيه المسؤول الإعلامي في رئاسة الحكومة وكان هو مراسل صحيفة...

حماية سيادة الدول العربية في ضوء القانون الدولي:‏ من بيانات الادانة الى آليات العمل الجماعي والتكامل الاقليمي

‏ في ظلّ التعديات الأمنية والعسكرية المتكررة التي تتعرض لها بعض الدول العربية، وما ‏يرافقها من انتهاكات لسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها واستقلالها السياسي، تتجدد المواقف العربية...

بين هدنةٍ على الورق وتصعيدٍ في الميدان

في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون أن الاتفاقات الأخيرة ستفتح باب التهدئة بين لبنان وإسرائيل، جاءت التطورات الميدانية لتؤكد أن المنطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار الحقيقي. فالهدنة التي...