تعلّمنا من قصة يوسف عليه السلام أن بعد “سبع سنين عجاف” تأتي “سبع سنين سمان” إذا توفرت الرؤية والإدارة. ولبنان اليوم يقف على مفترق طريق بين استنزاف العجاف، أو بناء السمان بعقد سياسي ووطني جديد.
أولاً: “السنين العجاف”… جذور الأزمة السياسية
إن ما يعيشه لبنان ليس أزمة اقتصادية عابرة، بل هو نتاج تراكم سياسي امتد لعقود:
غياب السيادة وارتهان القرار: تحول لبنان إلى ساحة لصراعات إقليمية ودولية. فغاب القرار الوطني الحر، وتعطلت المؤسسات، وأصبحت الدولة عاجزة عن حماية حدودها وأبنائها.
نظام المحاصصة والفساد البنيوي: تحولت الطائفية من آلية لإدارة التنوع إلى أداة لتقاسم الغنائم. ساد الفساد، وتراجع الإنتاج، وانهار العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.
الأطماع الإسرائيلية والحروب المتكررة: منذ العام 1970، لم يتوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان. من الاجتياحات المتتالية إلى حرب تموز 2006، وصولاً إلى الحرب الحالية التي دمرت قرى الجنوب بأكملها، وقتلت الآلاف، وهجرت عشرات الآلاف من أهلها.
وقد بلغ هذا العدوان ذروته مؤخراً بنشر خرائط استفزازية تضم أجزاء من جنوب لبنان ضمن “إسرائيل الكبرى”، في تأكيد سافر على أن الخطر الوجودي لا يزال قائماً، وأن استقرار لبنان مرهون بقدرته على مواجهة هذا المشروع التوسعي.
الانهيارات المتتالية: من اغتيال الرؤساء وتعطيل المؤسسات، إلى انفجار مرفأ بيروت، إلى انهيار القطاع المصرفي. كل صدمة كان يفترض أن تكون دافعاً للإصلاح، تحولت إلى تطبيع مع الفشل.
ثانياً: شروط “السنين السمان”… خارطة طريق للخلاص
إن الانتقال إلى “السنين السمان” ليس أمنية، بل هو مشروع سياسي متكامل يقوم على:
قيام دولة مدنية بكل ما تعنيه الكلمة
دولة المواطنة لا دولة الطوائف. دولة يتساوى فيها جميع اللبنانيين في الحقوق والواجبات، ويفصل فيها الدين عن إدارة الشأن العام، ويُحتكم فيها إلى القانون لا إلى الولاءات. هذا هو الشرط الأول لاستعادة الثقة وبناء عقد اجتماعي جديد.
استعادة السيادة الكاملة وحماية الحدود
لا نهوض بلا سيادة. ويعني ذلك حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وتطبيق القرارات الدولية، وترسيم الحدود براً وبحراً. كما يعني التصدي الحازم للأطماع الإسرائيلية ورفض أي مشاريع توسعية تمس بسيادة لبنان ووحدة أراضيه، وفي مقدمتها الاعتداءات على الجنوب.
إصلاح سياسي وإداري وقضائي جذري
– قانون انتخاب عصري يمثل الشعب تمثيلاً حقيقياً.
– استقلال القضاء ومحاسبة الفاسدين واسترجاع الأموال المنهوبة.
– إدارة عامة شفافة ورقمية تقطع الطريق على الهدر.
خطة إنقاذ اقتصادي بدعم عربي ودولي
لبنان لا يستطيع النهوض وحيداً. هناك حاجة إلى مؤتمر دولي لدعم لبنان، تقوده الدول العربية الشقيقة وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، على قاعدة الإصلاحات. فاستقرار لبنان هو استقرار للمنطقة العربية كلها.
لقد أثبتت “السنين العجاف” أن لبنان لا يمكن أن يستمر كساحة. وأثبتت الحروب الإسرائيلية المتكررة أن غياب الدولة القوية يدفع ثمنه المدنيون في الجنوب والبقاع والضاحية.
أما “السنين السمان” فهي ممكنة. مفتاحها قرار لبناني سيادي، ودولة مدنية عادلة، ودعم عربي صادق.
لبنان الذي قام من تحت الركام سبع مرات، قادر على أن يقوم للمرة الثامنة، وأن يستعيد دوره كرسالة حضارة وجسر تلاقٍ في هذا الشرق.
فالخلاص لا يهبط من السماء، بل يصنعه الرجال.


