الأربعاء، 9 سبتمبر 2026
بيروت
30°C
سماء صافية
AdvertisementAdvertisement

من الشقيف إلى الزهراني… هل يتغير وجه الشرق الأوسط أم أننا أمام فصل جديد من الصراع القديم؟

كارولين ياغي

ما يحدث اليوم في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية محدودة أو مواجهة تقليدية على الحدود، بل يبدو جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة رسم موازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط. إن التوغل الإسرائيلي المتزايد جنوباً والسيطرة على مواقع استراتيجية مثل قلعة الشقيف، وتوسيع نطاق الإنذارات والإخلاءات باتجاه مناطق تقع شمال خطوط الاشتباك التقليدية، كلها مؤشرات تدفع إلى التساؤل عما إذا كانت إسرائيل تعمل على فرض واقع جغرافي وسياسي جديد طويل الأمد.
وبينما تتواصل المساعي الدبلوماسية لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع انزلاق الوضع نحو حرب شاملة، يعيش عشرات الآلاف من اللبنانيين واقع النزوح والخوف وفقدان المنازل وسبل العيش. قرى بكاملها تعرضت لدمار هائل، في مشهد يعيد إلى الأذهان صوراً مؤلمة من حروب سابقة ظن كثيرون أنها أصبحت جزءاً من الماضي.
يرى البعض أن ما يحدث ليس إعادة تقسيم جغرافية بالمعنى التقليدي للكلمة، فلا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على تغيير رسمي للحدود المعترف بها دولياً. لكن ذلك لا ينفي وجود محاولات لإعادة تشكيل خرائط النفوذ والسيطرة والأمن. ففي عالم اليوم، قد لا يكون تغيير الحدود هو الهدف الأول، بل فرض مناطق عازلة، وإعادة توزيع مراكز القوة، وخلق وقائع ميدانية تصبح مع الوقت حقائق سياسية يصعب التراجع عنها.
وهنا تبرز المخاوف المتزايدة من أن يتحول الجنوب اللبناني إلى نموذج جديد من إدارة الصراع عبر الجغرافيا حيث تصبح بعض المناطق غير قابلة للحياة الطبيعية، وتُفرض ترتيبات أمنية بحكم الأمر الواقع، بينما يبقى الحل السياسي مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.
في الوقت نفسه، لا يمكن فصل التصعيد في لبنان عن التعثر المستمر في المفاوضات الأميركية الإيرانية. فكلما ازدادت الهوة بين واشنطن وطهران، ارتفعت احتمالات استخدام ساحات المنطقة كورقة ضغط متبادلة. لبنان، بحكم موقعه وتركيبته وتعقيداته الداخلية، يبقى أحد أكثر هذه الساحات حساسية وتأثراً.
أما الحديث عن “شرق أوسط جديد”، فهو ليس جديداً في ذاته. فقد تكرر هذا المصطلح مراراً خلال العقود الماضية، من غزو العراق إلى الحرب السورية وصولاً إلى اتفاقات التطبيع والحروب المتلاحقة في غزة. لكن الجديد اليوم هو حجم التشابك بين الملفات، وسرعة التحولات، وتراجع قدرة القوى الإقليمية التقليدية على ضبط مسار الأحداث.
في النهاية، قد يكون من المبكر الجزم بأن المنطقة تتجه نحو إعادة تقسيم شاملة أو انهيار كامل للنظام الإقليمي القائم. لكن من الواضح أن الشرق الأوسط الذي عرفناه قبل سنوات لم يعد موجوداً بالشكل نفسه. هناك خرائط جديدة تُرسم، ليس بالضرورة على الورق، بل على الأرض وفي موازين القوى وفي معادلات الردع والسياسة.
ويبقى لبنان، كما كان دائماً، في قلب العاصفة؛ يدفع أثمان الصراعات الكبرى، بينما ينتظر أبناؤه إجابة ما زالت غائبة: هل ما يجري مجرد محطة جديدة في صراع طويل، أم أننا نشهد بالفعل ولادة شرق أوسط مختلف تماماً ؟

شارك الخبر
الشراع
AdvertisementAdvertisement

إقرأ أيضاً

نائب الغلابة.. عمرو رشاد يتكفل بسداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين بالجيزة

أعلن المهندس عمرو رشاد، عضو لجنة الإسكان والإدارة المحلية والنقل بمجلس الشيوخ وعضو لجنة القيم، ورئيس قطاع وسط الجيزة بحزب حماة الوطن، إطلاق مبادرة «إحنا أهل»، للتكفل بسداد...

الكتاب الذي منعت أميركا نشره

كاتبه جون بيركنز لم يكن صحفيا، كان موظفا رسميا في شركة اسمها MAIN العملاقة. هذه الشركة واجهة لوكالة الامن القومي NSA. وظيفته في البطاقة: خبير اقتصادي كبير. وظيفته الحقيقية: قاتل...

من علي الطاهر إلى صناديق الاقتراع... الحرب التي تجمع ترامب ونتنياهو وتفرقهما.

تقترب صناديق الاقتراع، وتقترب معها المنطقة من مرحلة تبدو فيها السياسة والميدان وجهين لمعركة واحدة. فالانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، تليها الانتخابات الأميركية في 3 تشرين...

كفررمان والجنوب... هل هؤلاء بنية تحتية؟

تسعة أسماء. بينهم أطفال ونساء. سقطوا في مجزرة بلدة كفررمان الجنوبية: محمد نعيم فرحات، حسن وحسين ومحمد وفاطمة فرحات، زهراء أيوب، والأطفال مريم وعبدالله وعباس فرحات. هل هؤلاء...

المعتدي والمعتدى عليه أوروبا بين شعارات القيم ومنطق المصالح

المنظومة الدولية التي وُلدت بخطيئة الازدواجية منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تأسست المنظومة الدولية على أسس نظرية سامية الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون،...

هل كان سيد قطب مفكراً عظيما ام ارعابياً

خاف الأميركيون من ارتماء العرب في أحضان الشيوعية ، وقرروا جذب الشيوخ والكتاب المؤثرين أصحاب الكلمة المسموعة والاتفاق معهم لإكراه المسلمين في الشيوعية وتكفيرهم كونهم ضد الإسلام ،...