تقترب صناديق الاقتراع، وتقترب معها المنطقة من مرحلة تبدو فيها السياسة والميدان وجهين لمعركة واحدة.
فالانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، تليها الانتخابات الأميركية في 3 تشرين الثاني، وبين الموعدين تتحرك جبهات تمتد من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان، وسط توقعات بتصعيد إيراني قد يأتي في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى الثنائي ترامب–نتنياهو.
من هنا، قد لا يكون التصعيد الإسرائيلي الحالي منفصلًا عن محاولة استباق المرحلة المقبلة وفرض معادلات جديدة قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
لكن ما يجمع ترامب ونتنياهو اليوم قد يفرقهما غدًا، فلكل منهما حساباته وساعته الانتخابية، وما يخدم أحدهما قد يتحول إلى عبء على الآخر.
وفي هذا السياق يمكن قراءة ما جرى في علي الطاهر.
مع بداية أيلول، أعلن الإسرائيلي سقوط علي الطاهر، مقدمًا المشهد في صورة انتصار ميداني، إلا أن ضبابية الإعلان قابلها صمت رسمي لافت من حزب الله. سيما العلاقات الإعلامية و الإعلام الحربي فيما زادت تصريحات الحزبيين المتناقضة المشهد غموضًا.
وفُسّر صمت الحزب على قاعدة: إذا أراد العدو أن يحتفل بعرس بلا عروس، فليحتفل، طالما أن ذلك قد يضع حدًا للغارات على علي الطاهر ويمنح منطقة النبطية شيئًا من الهدوء.
لكن إسرائيل التي أعلنت السيطرة عادت إلى الإغارة على المنطقة، لتعيد معها السؤال عن حقيقة ما أنجزته ميدانيًا، وحجم الإرباك الذي لا يزال يحيط بعلي الطاهر.
علي صعيد آخر صعد العدو في اليومين الأخيرين، فعادت عمليات استهداف عناصر المقاومة، واتسعت رقعة الغارات، وعادت تحذيرات إخلاء الأبنية تمهيدًا لتدميرها، بالتزامن مع سقوط مدنيين، إذ وصل عدد الشهداء خلال يومين إلى 27 شهيدًا، غالبيتهم من النساء والأطفال.
كل ذلك يوحي بمحاولة رفع مستوى التصعيد على جبهة الجنوب وتثبيت معادلة جديدة قبل الانتخابات.
وهنا تلتقي حسابات واشنطن وتل أبيب، لكنها لا تتطابق.
ترامب يحتاج إلى حرب محدودة ومضبوطة يستطيع تقديم نتائجها للناخب الأميركي باعتبارها دليل قوة وردع، من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة تتحول كلفتها السياسية والاقتصادية إلى عبء انتخابي عليه.
أما نتنياهو، فقد تكون حساباته مختلفة. فاتساع الحرب أو إطالة أمدها قد يمنحه فرصة لإعادة ترتيب المشهد الإسرائيلي تحت عنوان الأمن، وربما الذهاب بالتصعيد إلى مستوى يؤثر في موعد الانتخابات .
وهنا تبدأ المصالح بالافتراق.
فما قد يكون طوق نجاة لنتنياهو يمكن أن يصبح عبئًا على ترامب، وما يريده الأميركي ورقة ضغط انتخابية قد يحوله الإسرائيلي إلى حرب تتجاوز حدودها المرسومة.
لذلك، لم يعد السؤال فقط: هل تتوسع الحرب؟
بل: من يملك ساعة الحرب، ومن يملك عقاربها؟
وسط هذه الحسابات، تبدو علي الطاهر مجرد بقعة صغيرة على خريطة الجنوب، لكنها في زمن تختلط فيه الجغرافيا بالسياسة والحرب بالانتخابات قد تصبح أكبر بكثير من مساحتها.
فالمعركة التي تبدأ فوق تلال الجنوب قد تصل ارتداداتها إلى تل أبيب وواشنطن، وإلى صندوقين يفصل بينهما أقل من أسبوع.
فالطريق من علي الطاهر إلى صندوق الانتخابات قد يكون أقصر مما توحي به الخرائط.


